واشنطن- المنشر_الاخباري
تتصاعد الخلافات بين الولايات المتحدة وحلفائها بشأن مستقبل الدفاع المشترك، بعد انتقادات وُجهت إلى إلبريدج كولبي، وكيل وزارة الدفاع الأميركية لشؤون السياسات، بسبب موقفه من محاولات بعض الدول بناء قدرات عسكرية وصناعات دفاعية مستقلة.
ويرى منتقدو كولبي أنه يريد الحفاظ على نفوذ الولايات المتحدة العالمي، لكنه في الوقت نفسه لا يريد تحمل الأعباء التي كانت ترافق هذا الدور لعقود، إذ يطالب الحلفاء بزيادة إنفاقهم الدفاعي، لكنه يعارض أن يتحول هذا الإنفاق إلى بناء صناعات عسكرية محلية تقلل اعتمادهم على السلاح الأميركي.
ويقول منتقدون إن هذا الموقف يضع واشنطن أمام معادلة صعبة: فهي تريد من حلفائها أن يتحملوا مسؤولية أكبر في الدفاع عن أنفسهم، لكنها لا تريد أن يفقدوا اعتمادهم على الولايات المتحدة.
واشنطن تطالب الحلفاء بالدفع.. لكنها ترفض الاستقلال العسكري
منذ سنوات، تطالب الولايات المتحدة دول حلف شمال الأطلسي “الناتو” بزيادة ميزانياتها الدفاعية، والتوقف عن الاعتماد بشكل كبير على القدرات العسكرية الأميركية.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب من أبرز الداعين إلى ذلك، حيث انتقد مراراً ما اعتبره “تقاسمًا غير عادل للأعباء”، مطالباً الدول الأوروبية بإنفاق المزيد على جيوشها.
وبالفعل، بدأت عدة دول أوروبية في رفع ميزانياتها الدفاعية وتعزيز قدراتها العسكرية، خصوصاً بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
لكن الخلاف ظهر عندما بدأت هذه الدول في التفكير ببناء صناعات دفاعية خاصة بها، وتطوير أسلحة محلية بدلاً من الاعتماد الكامل على الشركات الأميركية.
ويرى منتقدو كولبي أن واشنطن تريد من حلفائها إنفاق المزيد، ولكن بشرط أن تذهب هذه الأموال إلى شراء المعدات الأميركية، ما يجعلهم مرتبطين بالقرار السياسي الأميركي.
معضلة الحلفاء: لماذا يستثمرون في السلاح الأميركي؟
يطرح منتقدو السياسة الأميركية سؤالاً جوهرياً: إذا كانت واشنطن تقلل التزاماتها الدولية وتعيد تقييم دورها في العالم، فلماذا تستمر الدول الأخرى في الاعتماد الكامل عليها؟
ويشيرون إلى أن بعض الحلفاء أصبحوا أكثر حذراً بعد تغير مواقف الولايات المتحدة تجاه عدد من الملفات، خصوصاً الحرب في أوكرانيا، حيث أثارت التحولات السياسية الأميركية مخاوف بشأن مستقبل الدعم الغربي لكييف.
ويقول هؤلاء إن الدول لا يمكن أن تبني أمنها القومي على ضمانات قد تتغير مع كل إدارة أميركية جديدة، ولذلك فإن تطوير قدراتها الذاتية أصبح خياراً ضرورياً وليس محاولة للابتعاد عن واشنطن.
الثقة.. سلاح النفوذ الأميركي الحقيقي
يرى محللون أن القوة الأميركية لم تعتمد فقط على حجم جيشها أو اقتصادها، بل أيضاً على الثقة التي منحتها لحلفائها خلال عقود.
فالولايات المتحدة تمكنت من بناء شبكة تحالفات عالمية لأنها كانت تقدم نفسها باعتبارها قوة يمكن الاعتماد عليها وقت الأزمات.
لكن تراجع الثقة في بعض العواصم الأوروبية والآسيوية قد يدفع هذه الدول إلى البحث عن بدائل، سواء عبر تعزيز صناعاتها الدفاعية أو إقامة ترتيبات أمنية أكثر استقلالية.
ويحذر منتقدون من أن الضغط على الحلفاء للبقاء معتمدين على واشنطن، في وقت يشعرون فيه بأن الولايات المتحدة قد تقلص دورها مستقبلاً، قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، وهي دفعهم نحو تقليل اعتمادهم على أمريكا.
هل تخسر واشنطن نفوذها بسبب سياساتها؟
يرى منتقدو كولبي أن الولايات المتحدة تخاطر بفقدان جزء من نفوذها إذا حاولت الحفاظ على امتيازات القيادة العالمية دون تقديم الالتزامات التي جعلت هذه القيادة ممكنة.
فالدول، بحسب هذا الطرح، لا تشتري الأسلحة فقط، بل تشتري أيضاً الثقة السياسية والاستقرار الذي توفره التحالفات.
في المقابل، يدافع أنصار هذا التوجه عن ضرورة إعادة توزيع الأعباء، مؤكدين أن الولايات المتحدة لا تستطيع تحمل تكلفة حماية دول أخرى إلى ما لا نهاية، وأن على الحلفاء بناء جيوش أقوى.
لكن الخلاف الحقيقي لا يتعلق فقط بالمال أو السلاح، بل بمستقبل النظام الأمني العالمي: هل ستبقى الولايات المتحدة القائد الرئيسي للتحالفات الدولية، أم ستتجه إلى تقليص دورها وترك حلفائها يتحملون مسؤوليات أكبر؟
في النهاية، تكشف أزمة كولبي عن تحول أعمق في العلاقة بين واشنطن وشركائها؛ فالحلفاء يريدون حماية أميركية، لكنهم يريدون أيضاً القدرة على الدفاع عن أنفسهم إذا تغيرت السياسة الأميركية. أما الولايات المتحدة، فتريد منهم تحمل تكاليف أكبر دون أن تفقد مكانتها القيادية.
وهذه المعادلة قد تكون واحدة من أكبر التحديات التي تواجه النفوذ الأميركي خلال السنوات المقبلة.










