واشنطن تكشف عن طائرات مسيّرة خارقة تضرب لمسافة 1850 كيلومتراً.. سلاح جديد قد يمنح البحرية الأميركية تفوقاً في مواجهة الصين
واشنطن- المنشر_الاخباري
تستعد الولايات المتحدة لإحداث تحول كبير في مستقبل القوة البحرية، بعدما كشفت البحرية الأميركية عن مشروع طموح لتطوير جيل جديد من الطائرات المسيّرة القتالية القادرة على الإقلاع من حاملات الطائرات وتنفيذ مهام هجومية بعيدة المدى دون الحاجة إلى وجود طيار داخل قمرة القيادة.
المشروع الأميركي الجديد لا يهدف فقط إلى إنتاج طائرة من دون طيار، بل إلى بناء أسطول جوي ذكي يعمل إلى جانب المقاتلات التقليدية، ويمنح حاملات الطائرات قدرة أكبر على الوصول إلى مناطق بعيدة وتنفيذ ضربات دقيقة في بيئات دفاعية معقدة.
ويأتي التحرك في وقت تتصاعد فيه المنافسة العسكرية بين واشنطن وبكين، خصوصاً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث أصبحت الصواريخ بعيدة المدى والأنظمة المضادة للسفن تهدد الدور التقليدي لحاملات الطائرات الأميركية.
من مشروع تقني إلى سلاح استراتيجي
أطلقت قيادة أنظمة الطيران البحرية الأميركية مبادرة جديدة ضمن خطة “الجناح الجوي المستقبلي”، داعية شركات الصناعات الدفاعية إلى تقديم مقترحات لتطوير طائرات مسيّرة يمكن تشغيلها من حاملات الطائرات من فئتي “نيميتز” و”جيرالد فورد”.
وتشترط البحرية الأميركية أن تكون الطائرات الجديدة قادرة على تنفيذ ضربات وتأثيرات قتالية على بعد يصل إلى 1000 ميل بحري، أي نحو 1850 كيلومتراً، من دون التزود بالوقود جواً.
ورغم أن المشروع لا يزال في مرحلة دراسة السوق ولم يتحول إلى عقد إنتاج نهائي، فإنه يمثل مؤشراً واضحاً على توجه واشنطن نحو تقليل الاعتماد على الطائرات المأهولة وحدها، وتعزيز حضور الأنظمة المستقلة في الحروب المقبلة.
سلاح واحد بثماني قدرات مختلفة
لا تبحث البحرية الأميركية عن طائرة هجومية فقط، بل عن منصة متعددة الاستخدامات يمكن تعديلها حسب طبيعة المعركة.
وتشمل المهام المحتملة:
- ضرب السفن والأهداف البرية.
- تنفيذ عمليات الحرب الإلكترونية لتعطيل أنظمة العدو.
- جمع المعلومات الاستخباراتية والاستطلاع.
- مواجهة الطائرات والصواريخ المعادية.
- دعم عمليات مكافحة الغواصات.
- التزود بالوقود جواً.
- نقل المعدات والإمدادات.
- العمل ضمن شبكة قتالية تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
وتريد البحرية الأميركية أن تكون هذه الطائرات جزءاً من منظومة مترابطة، بحيث تستطيع مشاركة المعلومات مع السفن والطائرات الأخرى واتخاذ قرارات سريعة خلال المعارك.
لماذا تحتاج واشنطن إلى هذا النوع من الطائرات؟
تواجه حاملات الطائرات الأميركية تحدياً جديداً مع تطور قدرات خصومها، وعلى رأسهم الصين، التي طورت صواريخ بعيدة المدى يمكنها تهديد السفن الحربية الكبيرة في مناطق واسعة من المحيط الهادئ.
وفي الحروب الحديثة، أصبحت المسافة عاملاً حاسماً؛ فكلما ابتعدت الحاملة عن منطقة الخطر، زادت قدرتها على البقاء، لكن ذلك يتطلب طائرات قادرة على الوصول إلى الأهداف البعيدة.
وهنا ترى البحرية الأميركية أن الطائرات المسيّرة يمكن أن تكون الحل، لأنها تمنحها مدى أكبر وتسمح بإرسال منصات غير مأهولة إلى مناطق عالية الخطورة دون تعريض حياة الطيارين للخطر.
التحدي الأكبر.. كيف تهبط طائرة ذكية على حاملة متحركة؟
تشغيل طائرة مسيّرة من حاملة طائرات ليس مهمة سهلة.
فالحاملة بيئة مختلفة تماماً عن القواعد الجوية التقليدية، حيث يجب على الطائرة التعامل مع:
- الإقلاع بواسطة المقاليع الكهرومغناطيسية أو البخارية.
- الهبوط على سطح يتحرك وسط البحر.
- مقاومة الظروف البحرية القاسية.
- العمل وسط عمليات جوية مكثفة.
- تنفيذ أوامر الطاقم دون وجود طيار داخل الطائرة.
كما تحتاج الطائرة إلى أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على التعامل مع الظروف المفاجئة، مثل تغير الطقس أو فقدان الاتصال أو تغيير المهمة أثناء التحليق.
بوينغ MQ-25.. أول خطوة نحو الجيل الجديد
تمثل طائرة MQ-25 Stingray التابعة لشركة بوينغ نقطة البداية في هذا المسار.
فالطائرة، التي صممت للعمل من حاملات الطائرات، تستخدم أساساً للتزود بالوقود جواً، ما يسمح للمقاتلات الأميركية بزيادة مدى عملياتها.
لكن الخبرة التي اكتسبتها البحرية من تشغيل MQ-25 في بيئة الحاملات توفر قاعدة مهمة لتطوير طائرات قتالية أكثر تقدماً.
ومع ذلك، فإن تحويلها إلى طائرة هجومية بعيدة المدى يتطلب تغييرات جوهرية تشمل إضافة أنظمة تسليح، ومستشعرات متقدمة، وقدرات تخفٍ واتصالات محمية.
شركات السلاح أمام سباق جديد
فتحت البحرية الأميركية الباب أمام شركات الدفاع الكبرى للتنافس على المشروع، وسط توقعات بدخول عمالقة الصناعة مثل بوينغ، ونورثروب غرومان، وجنرال أتوميكس.
وتملك نورثروب غرومان خبرة سابقة من خلال مشروع X-47B، الذي أثبت قدرة الطائرات المسيّرة على الإقلاع والهبوط بشكل ذاتي من حاملات الطائرات.
أما جنرال أتوميكس فتطور مفاهيم لطائرات مسيّرة قتالية قابلة للتعديل حسب المهمة، بينما تمتلك بوينغ ميزة الخبرة التشغيلية بفضل برنامج MQ-25.
لكن التحدي الحقيقي أمام هذه الشركات سيكون إنتاج طائرة تجمع بين المدى الطويل، والقدرة القتالية، والتخفي، وانخفاض التكلفة.
عين واشنطن على الصين
يرتبط المشروع بشكل مباشر بالاستراتيجية الأميركية لمواجهة النفوذ العسكري الصيني.
فالصين تعمل منذ سنوات على تطوير قدرات تمنع أو تحد من اقتراب القوات البحرية الأميركية من مناطق نفوذها، خاصة في بحر الصين الجنوبي وتايوان.
وتعتقد واشنطن أن امتلاك أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة بعيدة المدى سيمنحها قدرة على اختراق الدفاعات المعادية واستنزاف قدرات الخصم.
كما أن هذه الطائرات قد تغير معادلة الحرب البحرية، حيث تصبح الحاملة مركز قيادة لشبكة من الطائرات الذكية بدلاً من كونها مجرد منصة لإطلاق مقاتلات مأهولة.
نهاية عصر الطائرات المأهولة أم بداية عصر جديد؟
رغم التطور الهائل في الأنظمة الذاتية، لا تتوقع البحرية الأميركية اختفاء الطيارين المقاتلين في المستقبل القريب.
لكن الاتجاه الواضح هو بناء قوة هجينة تجمع بين الإنسان والآلة، بحيث تتولى الطائرات المسيّرة المهام الأكثر خطورة، بينما يحتفظ الطيارون بالمهام التي تحتاج إلى قرارات معقدة وخبرة بشرية.
ومع دخول هذا المشروع مرحلة التطوير، يبدو أن مستقبل الحروب الجوية والبحرية يتجه نحو معارك تديرها شبكات من الطائرات الذكية، حيث قد لا يكون التفوق لمن يملك الطائرة الأسرع، بل لمن يملك النظام الأكثر ذكاءً وقدرة على العمل في ساحة قتال متغيرة.










