قادة الاتحاد الأوروبي يبحثون للمرة الأولى الذكاء الاصطناعي كملف أمن قومي، وسط مخاوف من تهديدات إلكترونية وتراجع القدرة التكنولوجية الأوروبية أمام القوى الكبرى
بروكسل- المنشر_الاخباري
يستعد قادة الاتحاد الأوروبي لعقد أول قمة مخصصة بالكامل لمناقشة مستقبل الذكاء الاصطناعي، في خطوة تعكس تحولًا كبيرًا في نظرة بروكسل إلى التكنولوجيا الحديثة، التي لم تعد تُعامل باعتبارها مجرد ملف تنظيمي أو اقتصادي، بل أصبحت تُصنّف كقضية مرتبطة بالأمن القومي والتنافس الجيوسياسي العالمي.
ومن المقرر أن يناقش زعماء الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ملف الذكاء الاصطناعي خلال إحدى القمم الثلاث المقبلة المقررة في أكتوبر أو نوفمبر أو ديسمبر، في محاولة لوضع رؤية أوروبية موحدة للتعامل مع التطورات المتسارعة في هذا المجال.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يشهد فيه العالم سباقًا حادًا بين الولايات المتحدة والصين للهيمنة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وسط مخاوف أوروبية من أن يؤدي التأخر في تطوير القدرات الرقمية إلى فقدان النفوذ الاقتصادي والسياسي في السنوات المقبلة.
الذكاء الاصطناعي يتحول إلى تهديد أمني
دفع التطور السريع في نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة الحكومات الأوروبية إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بهذه التكنولوجيا، خصوصًا مع ظهور أنظمة قادرة على تحليل الثغرات البرمجية، وتطوير أدوات إلكترونية قد تُستخدم في الهجمات السيبرانية.
ويرى مسؤولون أوروبيون أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد وسيلة لتحسين الإنتاج أو تطوير الخدمات، بل أصبح عنصرًا حاسمًا في ميزان القوة بين الدول، سواء في المجال العسكري أو الاقتصادي أو الأمني.
وتشير المناقشات داخل الاتحاد الأوروبي إلى رغبة متزايدة في تعزيز ما يسمى بـ”السيادة الرقمية الأوروبية”، وتقليل الاعتماد على الشركات والمنصات التكنولوجية الكبرى الموجودة خارج القارة.
سباق عالمي بين واشنطن وبكين
وتأتي القمة الأوروبية المرتقبة في ظل تصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين على قيادة ثورة الذكاء الاصطناعي.
فبينما تستثمر بكين بشكل واسع في تطوير نماذج وتقنيات محلية، تدفع شركات التكنولوجيا الأميركية باتجاه إنشاء أطر جديدة لاختبار أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة ووضع معايير للسلامة.
كما دعا عدد من قادة قطاع التكنولوجيا في الولايات المتحدة إلى إنشاء هيئة مركزية لمراقبة واختبار النماذج الذكية، مع تزايد المخاوف من استخدام هذه التقنيات في عمليات تجسس أو هجمات إلكترونية.
ضغوط داخلية على بروكسل
وجاء قرار عقد القمة بعد ضغوط متزايدة من مشرعين وخبراء أوروبيين طالبوا بإعطاء الذكاء الاصطناعي أولوية سياسية على أعلى مستوى.
وفي يونيو الماضي، دعا عدد من أعضاء البرلمان الأوروبي إلى عقد اجتماع عاجل لمناقشة الابتكار والحوكمة والأمن المرتبط بالذكاء الاصطناعي، مؤكدين أن أوروبا بحاجة إلى تسريع الاستثمار في البنية التحتية الحاسوبية والقدرات البحثية.
كما أشار تقرير أوروبي أعده أكثر من 100 خبير إلى ضرورة رفع ملف الذكاء الاصطناعي إلى مستوى الأولويات السياسية الكبرى، محذرًا من أن التأخر الأوروبي قد يضع القارة في موقف تابع للقوى التكنولوجية الكبرى.
خلاف أوروبي بين الحماية والمنافسة
ورغم اتفاق القادة الأوروبيين على أهمية تطوير الذكاء الاصطناعي، فإن الخلافات لا تزال قائمة بشأن كيفية تحقيق التوازن بين الرقابة ودعم الشركات المحلية.
فبعض الحكومات الأوروبية ترى أن القوانين الصارمة قد تعرقل نمو الشركات الناشئة وتضعف قدرة أوروبا على المنافسة عالميًا، بينما يدعو آخرون إلى تشديد الضوابط لمنع إساءة استخدام التكنولوجيا وحماية الخصوصية والأمن المجتمعي.
وكانت دول مثل ألمانيا والسويد وبلجيكا قد طالبت سابقًا بتخفيف بعض القيود التنظيمية على تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصناعية، معتبرة أن الإفراط في التنظيم قد يمنح الولايات المتحدة والصين أفضلية أكبر.
ومع اقتراب القمة التاريخية، تواجه أوروبا اختبارًا صعبًا: إما أن تتحول إلى لاعب رئيسي في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، أو تجد نفسها متأخرة في واحدة من أكثر التقنيات تأثيرًا على مستقبل الاقتصاد والأمن الدولي.











