مشروع “دي بي ورلد” يمتد 50 عامًا ويضيف ملايين الحاويات والبضائع سنويًا، في تحرك استراتيجي لتأمين طرق التجارة الإماراتية بعيدًا عن أكثر ممرات الطاقة حساسية في العالم
أبوظبي- المنشر_الاخباري
تتجه الإمارات إلى تنفيذ واحدة من أكبر خطواتها الاستراتيجية في قطاع النقل البحري، عبر بناء محطتين جديدتين للمياه العميقة على ساحلها الشرقي خارج نطاق مضيق هرمز، في مشروع لا يقتصر على تعزيز قدرات الموانئ، بل يعكس تحولًا في طريقة تعامل الدولة مع المخاطر الجيوسياسية التي تحيط بأحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وستتولى شركة “دي بي ورلد” تطوير المشروع بموجب امتياز طويل الأمد يمتد لـ50 عامًا، بهدف إنشاء مركز بحري بديل قادر على استقبال حركة تجارية ضخمة وتقليل الاعتماد على المسار البحري التقليدي الذي يمر عبر مضيق هرمز.
ومن المتوقع أن تضيف المنشآت الجديدة طاقة تشغيلية سنوية تصل إلى 2.5 مليون حاوية، و190 ألف مركبة، إضافة إلى 5.3 مليون طن من البضائع، ما يمنح الإمارات قدرة أكبر على إدارة تدفقات التجارة العالمية في حال حدوث اضطرابات في المنطقة.
من مشروع اقتصادي إلى ورقة استراتيجية
ورغم أن المشروع يأتي ضمن خطط تطوير البنية التحتية وتعزيز قطاع الخدمات اللوجستية، فإن موقعه وتوقيته يمنحانه أبعادًا تتجاوز الاقتصاد.
فمضيق هرمز، الذي يفصل بين الخليج العربي وبحر عُمان، يعد واحدًا من أكثر الممرات البحرية أهمية عالميًا، حيث تعتمد عليه حركة ضخمة من صادرات النفط والغاز، كما تمر عبره مئات السفن التجارية بشكل يومي.
لكن هذا الموقع الحيوي جعله أيضًا نقطة توتر دائم، إذ ارتبط خلال السنوات الماضية بأزمات سياسية وعسكرية وتهديدات متكررة بإمكانية تعطيل حركة الملاحة.
وفي ظل هذه المخاطر، تسعى الإمارات إلى بناء شبكة نقل أكثر مرونة، تسمح باستمرار التجارة حتى في حال تعرض الطرق التقليدية لضغوط أو تهديدات أمنية.
الساحل الشرقي.. بوابة جديدة للتجارة
يمثل الساحل الشرقي للإمارات، المطل على بحر عُمان، موقعًا استراتيجيًا يمنح الدولة ميزة مهمة، إذ يسمح بالوصول إلى المحيط الهندي دون الحاجة إلى المرور الكامل عبر مضيق هرمز.
ويُنظر إلى تطوير هذه المنطقة باعتباره جزءًا من رؤية أوسع لتحويل الإمارات إلى مركز عالمي للنقل البحري، عبر تنويع الموانئ وربطها بشبكات التجارة الدولية.
كما يمكن أن يوفر المشروع خيارات جديدة لشركات الشحن العالمية التي تبحث عن تقليل المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية الحساسة.
رسالة إلى الأسواق العالمية
ويرى خبراء أن إنشاء هذه المحطات يمثل رسالة طمأنة للأسواق الدولية، مفادها أن الإمارات تعمل على حماية سلاسل الإمداد من الصدمات المفاجئة.
فخلال السنوات الأخيرة، أثبتت الأزمات العالمية، من جائحة كورونا إلى التوترات العسكرية، أن أمن التجارة لم يعد يعتمد فقط على القدرة الاقتصادية، بل على امتلاك بنية تحتية قادرة على مواجهة الأزمات.
ومن هذا المنطلق، تراهن الإمارات على أن وجود بدائل بحرية سيمنحها قدرة أكبر على جذب الاستثمارات والحفاظ على موقعها كمركز تجاري بين الشرق والغرب.
منافسة إقليمية على النفوذ اللوجستي
ولا يأتي المشروع بمعزل عن المنافسة المتزايدة بين دول المنطقة لتطوير الموانئ وتعزيز دورها في التجارة العالمية.
فدول الخليج تسعى بشكل متزايد إلى تقليل الاعتماد على صادرات الطاقة فقط، والتحول إلى مراكز للنقل والخدمات والصناعة، مستفيدة من موقعها بين الأسواق الآسيوية والأوروبية.
وتملك الإمارات بالفعل شبكة واسعة من الموانئ والمناطق الحرة، إلا أن إضافة منشآت جديدة خارج مضيق هرمز تمنحها ميزة إضافية في سباق السيطرة على طرق التجارة المستقبلية.
استعداد لعصر الأزمات البحرية
ويشير مراقبون إلى أن المشروع يعكس تغيرًا في مفهوم الموانئ الحديثة، التي لم تعد مجرد أماكن لتفريغ وتحميل البضائع، بل أصبحت أدوات استراتيجية مرتبطة بالأمن الاقتصادي والسيادة الوطنية.
ففي عالم يشهد تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، وعودة الصراعات إلى التأثير على حركة التجارة، أصبحت الدول تبحث عن امتلاك بدائل قبل وقوع الأزمات، وليس بعد حدوثها.
وبينما تؤكد الإمارات أن المشروع يهدف إلى دعم التجارة والاستثمار، فإن اختيار موقعه خارج مضيق هرمز يبعث برسالة واضحة: أبوظبي تريد ضمان استمرار تدفق تجارتها حتى في أكثر السيناريوهات الإقليمية تعقيدًا.










