انقطاعات كهرباء تتجاوز 18 ساعة يومياً وسط انهيار الشبكة وتراجع الخدمات الأساسية
بورتسودان- المنشر_الاخباري
تواجه مدن سودانية أزمة كهرباء غير مسبوقة، مع اتساع رقعة الانقطاعات التي وصلت في بعض المناطق إلى أكثر من 18 ساعة يومياً، في مشهد يعكس حجم الانهيار الذي أصاب أحد أهم القطاعات الحيوية في البلاد بفعل الحرب المستمرة، وتضرر البنية التحتية، وتفاقم أزمات الوقود والصيانة.
وأقرت وزارة الطاقة والنفط التابعة لسلطة بورتسودان بأن أزمة الكهرباء الحالية نتجت عن تداخل عدة عوامل، أبرزها توقف واردات الكهرباء من إثيوبيا، والأضرار التي لحقت بشبكات النقل والتوزيع، ونقص الوقود اللازم لتشغيل المحطات الحرارية، إضافة إلى صعوبة استيراد قطع الغيار بسبب تعطل سلاسل الإمداد نتيجة الصراع.
لكن خبراء ومختصين يرون أن توقف الإمداد الإثيوبي لم يكن سوى عامل إضافي كشف هشاشة القطاع، مؤكدين أن جذور الأزمة تعود إلى سنوات من ضعف الإدارة، وتراجع الاستثمار، وتراكم مشكلات الصيانة، إلى جانب تأثير الحرب التي استنزفت موارد الدولة ووجهت الجزء الأكبر من الإنفاق نحو العمليات العسكرية على حساب الخدمات العامة.
وتسببت الانقطاعات الطويلة في شلل واسع للحياة اليومية، حيث أصبحت المستشفيات ومحطات المياه والمخابز وشبكات الاتصالات تعتمد بشكل كبير على مولدات الطوارئ، في وقت يعاني فيه السودان من نقص حاد في الوقود وارتفاع كبير في تكاليف التشغيل.
كما انعكست الأزمة بشكل مباشر على النشاط الاقتصادي، إذ اضطرت العديد من المصانع وورش الإنتاج إلى تقليص ساعات العمل أو التوقف، بينما ارتفعت تكلفة تشغيل المولدات الخاصة، ما زاد من الضغوط على المواطنين والأسواق في ظل أزمة اقتصادية خانقة.
ويقول خبراء في قطاع الكهرباء إن الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 أدت إلى خروج أجزاء من منظومة الإنتاج والنقل عن الخدمة، وأعاقت وصول فرق الصيانة إلى المواقع المتضررة، ما جعل أي حلول مؤقتة غير قادرة على معالجة الأزمة بشكل جذري.
ويبرز توقف الربط الكهربائي مع إثيوبيا كأحد الأسباب المباشرة لتفاقم الوضع، بعدما كان يمثل مصدراً مهماً لدعم الشبكة السودانية خلال فترات ارتفاع الطلب. إلا أن مختصين يشيرون إلى أن الاعتماد على الكهرباء المستوردة أصبح أكثر تأثيراً بسبب ضعف قدرة الشبكة المحلية على التعويض نتيجة الأضرار التي خلفتها الحرب.
وفي تصريحات لوسائل إعلام، أكد مهندسون سودانيون أن أزمة الكهرباء الحالية لا يمكن اختزالها في عامل واحد، مشيرين إلى أن الفساد وسوء الإدارة لعبا دوراً كبيراً في تراجع كفاءة القطاع، عبر ضعف الإنفاق على الصيانة وتأخر تنفيذ مشاريع التطوير.
وأوضح متخصصون أن الأموال التي كانت مخصصة لإعادة تأهيل المحطات وشبكات النقل لم تحقق النتائج المطلوبة، بسبب مشكلات تتعلق بالرقابة والإدارة، إضافة إلى عقود توريد لمعدات وقطع غيار لم تحقق دائماً المواصفات المطلوبة، ما أدى إلى استمرار الأعطال وتراجع مستوى الخدمة.
كما أثار اعتماد السلطات على حلول مؤقتة، مثل استقدام محطات توليد عائمة، جدلاً واسعاً بين الخبراء، الذين اعتبر بعضهم أن هذه الإجراءات قد تساعد في تخفيف الأزمة على المدى القصير لكنها لا تمثل حلاً مستداماً لقطاع يحتاج إلى إعادة بناء شاملة.
ويرى مراقبون أن استمرار الحرب سيجعل إصلاح قطاع الكهرباء أمراً بالغ الصعوبة، إذ تحتاج عملية إعادة التأهيل إلى استقرار أمني، وتمويل كبير، وبيئة تسمح بعودة الشركات وفرق الصيانة للعمل في مختلف المناطق المتضررة.
وتأتي أزمة الكهرباء ضمن سلسلة أزمات تضرب السودان منذ اندلاع القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، والذي أدى إلى مقتل عشرات الآلاف، ونزوح ملايين الأشخاص، وتراجع كبير في قدرة مؤسسات الدولة على تقديم الخدمات الأساسية.
وبينما تتبادل الأطراف السياسية والعسكرية الاتهامات حول مسؤولية انهيار الخدمات، يبقى المواطن السوداني الطرف الأكثر تضرراً، حيث أصبحت الكهرباء والمياه والرعاية الصحية والتعليم من أبرز القطاعات التي تدفع ثمن الحرب المستمرة.
ويحذر خبراء من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى مزيد من التدهور الاقتصادي والإنساني، مؤكدين أن الحل الحقيقي يبدأ بوقف القتال، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، ووضع خطط طويلة الأمد لإصلاح قطاع الطاقة بعيداً عن الحسابات السياسية وشبكات المصالح.










