اليونان تنتزع استثناءً استراتيجياً من عقوبات روسيا.. الاتحاد الأوروبي يقر الحزمة الـ21 بعد تسوية خلافات شاقة
أثينا استخدمت حق النقض لحماية أسطولها البحري وحصلت على إعفاء يسمح باستمرار نقل الغاز الروسي إلى الأسواق العالمية رغم تشديد العقوبات الأوروبية
لندن – المنشر_الاخباري
أقر الاتحاد الأوروبي الحزمة الحادية والعشرين من العقوبات المفروضة على روسيا بعد مفاوضات استمرت أياماً وشهدت خلافات حادة بين الدول الأعضاء، انتهت بتقديم تنازلات واسعة لليونان، التي نجحت في انتزاع استثناء يسمح لأسطولها التجاري بمواصلة نقل الغاز الطبيعي المسال الروسي إلى دول خارج الاتحاد الأوروبي.
وبحسب تقرير نشره موقع Clash Report، فإن أثينا استخدمت حق النقض (الفيتو) خلال المفاوضات لإجبار الدول الأوروبية على تعديل أحد أبرز بنود العقوبات الجديدة، في خطوة تعكس حجم النفوذ الذي تتمتع به اليونان داخل قطاع النقل البحري العالمي.
مواجهة دبلوماسية داخل الاتحاد الأوروبي
وأشار التقرير إلى أن الاتحاد الأوروبي كان قد اتفق سابقاً على إنهاء عمليات نقل الغاز الطبيعي المسال الروسي إلى الأسواق الخارجية عبر السفن الأوروبية بحلول يناير 2027، ضمن سياسة تهدف إلى تقليص مصادر الدخل الروسية الناتجة عن صادرات الطاقة.
إلا أن الحكومة اليونانية اعترضت على هذا التوجه خلال اجتماعات السفراء الأوروبيين، معتبرة أن تطبيق الحظر بشكل كامل سيؤدي إلى خسائر كبيرة لقطاع الشحن البحري الأوروبي، في حين ستستفيد شركات من خارج الاتحاد من الاستحواذ على السوق دون أن تتأثر العائدات الروسية بصورة ملموسة.
وبعد مفاوضات مطولة، وافق الاتحاد الأوروبي على منح اليونان استثناء يسمح لسفنها بمواصلة نقل الغاز الطبيعي المسال الروسي إلى دول غير أوروبية، شريطة أن تكون عقود النقل قد أُبرمت قبل اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022.
كما حصلت أثينا على حق مراجعة هذا الاستثناء خلال التقييمات السنوية، مع إمكانية الاعتراض على أي محاولة لإلغائه مستقبلاً.
حماية أكبر أسطول تجاري في أوروبا
ويعد القرار مكسباً كبيراً لليونان التي تمتلك أحد أكبر الأساطيل التجارية في العالم، إذ تعتمد شركات الشحن اليونانية بصورة واسعة على نقل الطاقة والغاز الطبيعي عبر الممرات البحرية الدولية.
وأشار التقرير إلى أن شركة Dynagas المملوكة لرجل الأعمال اليوناني جورج بروكوبيو كانت من أبرز الجهات التي ضغطت على الحكومة اليونانية للاعتراض على مشروع الحظر.
وتقوم الشركة، إلى جانب شركات تابعة لها، بتشغيل 11 ناقلة غاز طبيعي مسال تعمل مع مشروع يامال LNG الروسي، من بينها سبع سفن مخصصة للإبحار في المناطق القطبية والجليدية.
وترى أثينا أن التخلي عن هذا النشاط سيؤدي إلى خسائر بمليارات اليورو، وسيقوض مكانة الشركات الأوروبية في سوق النقل البحري العالمي.
تثبيت سقف أسعار النفط الروسي
ولم تقتصر التسوية الأوروبية على ملف الغاز الطبيعي، بل شملت أيضاً آلية تحديد سقف أسعار النفط الروسي.
وكانت الآلية السابقة تربط الحد الأقصى لسعر النفط الروسي بتطورات الأسواق العالمية، الأمر الذي كان سيؤدي تلقائياً إلى رفع السقف من 44 دولاراً إلى 58 دولاراً للبرميل نتيجة ارتفاع أسعار النفط العالمية على خلفية التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران.
غير أن المفوضية الأوروبية اعتبرت أن زيادة السقف ستمنح موسكو إيرادات إضافية في وقت لا يزال فيه الصراع العسكري في أوكرانيا مستمراً.
وبناءً على ذلك، اتفق الاتحاد الأوروبي على تجميد سقف السعر عند 44 دولاراً للبرميل لمدة عام كامل.
وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن الهدف من القرار يتمثل في منع روسيا من الاستفادة مالياً من تقلبات أسواق الطاقة العالمية.
تعديلات واسعة على العقوبات
وأوضح التقرير أن المفاوضات كشفت حجم الضغوط التي مارستها عدة دول أوروبية لحماية مصالحها الاقتصادية.
فقد نجحت البرتغال وألمانيا في إسقاط مقترحات كانت تستهدف فرض قيود على واردات بعض أنواع الأسماك الروسية، بينما تمكنت بلغاريا من إزالة أسماء شخصيات روسية بارزة من قوائم العقوبات الجديدة.
كما جرى تخفيف مشروع كان يقضي بمنع العسكريين الروس من دخول منطقة شنغن، بعد اعتراضات من فرنسا وإيطاليا التي اعتبرت أن تطبيقه سيخلق أعباء قانونية وإدارية معقدة.
وفي المقابل، حصلت النمسا على تعهد أوروبي بمناقشة ملف شركة Rasperia الاستثمارية الروسية، في إطار مطالبها بإيجاد حلول للخسائر التي تعرض لها بنك Raiffeisen Bank International داخل روسيا.
أكثر من 250 اسماً جديداً
ورغم التعديلات والتنازلات، فإن الحزمة الأوروبية الجديدة لا تزال من بين أوسع العقوبات التي فرضها الاتحاد منذ بداية الحرب.
فقد أضيف أكثر من 250 شخصاً وشركة إلى قوائم العقوبات، شملت جهات تتهمها بروكسل بالمشاركة في الالتفاف على العقوبات أو دعم المجهود الحربي الروسي.
كما تضمنت الحزمة قيوداً إضافية على بنوك روسية ومنصات لتجارة النفط وشبكات العملات الرقمية وبعض المعادن المستخدمة في الصناعات العسكرية.
وفي الجانب البحري، وسع الاتحاد الأوروبي قائمة السفن المحظورة، لتشمل أكثر من 600 سفينة يشتبه في استخدامها ضمن ما يعرف بـ”أسطول الظل” الذي تعتمد عليه موسكو لتصدير النفط بعيداً عن القيود الغربية.
توازن بين العقوبات والمصالح
ويرى محللون أن المفاوضات الأخيرة أظهرت بوضوح أن الاتحاد الأوروبي يواجه تحدياً متزايداً في الحفاظ على وحدة موقفه تجاه روسيا، في ظل اختلاف أولويات الدول الأعضاء.
فبينما تدفع بعض الحكومات نحو تشديد العقوبات بصورة أكبر، تسعى دول أخرى إلى حماية قطاعاتها الاقتصادية من التداعيات المباشرة للعقوبات، وهو ما أدى إلى إدخال استثناءات وتعديلات متكررة على الحزم الأوروبية.
ورغم استمرار بروكسل في التأكيد على التزامها بمواصلة الضغط الاقتصادي على موسكو، فإن الحزمة الحادية والعشرين تعكس أيضاً محاولة لتحقيق توازن بين تشديد العقوبات والحفاظ على المصالح الاقتصادية للدول الأوروبية، خصوصاً في قطاعات الطاقة والنقل البحري.










