غزة – المنشر_الاخباري
في خطوة تهدد بإعادة جهود إنهاء الحرب على غزة إلى نقطة الصفر، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفض خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المكونة من 15 بندًا بشأن القطاع، مؤكدًا أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من غزة قبل نزع سلاح حركة حماس بالكامل.
ويضع الموقف الإسرائيلي أحد أبرز المقترحات الأمريكية لإنهاء الحرب أمام اختبار صعب، بعدما كانت الخطة تستهدف تنفيذ خطوات متدرجة تشمل وقف القتال، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وترتيبات أمنية جديدة، وإدارة فلسطينية انتقالية، إلى جانب إعادة إعمار القطاع.
وقال نتنياهو، خلال اجتماع للحكومة الإسرائيلية في 9 أغسطس الماضي، إن إسرائيل «لا تقبل الوثيقة ذات الـ15 بندًا»، مشددًا على أن الجيش الإسرائيلي لن ينفذ أي انسحاب قبل نزع سلاح حماس، بما يشمل الأسلحة الثقيلة والخفيفة.
ماذا تريد خطة ترامب؟
تقوم خارطة الطريق التي أعدها «مجلس السلام» المدعوم من إدارة ترامب على تنفيذ الخطة بصورة تدريجية، بحيث لا تتم معالجة الملفات الأمنية والسياسية دفعة واحدة، وإنما من خلال خطوات متبادلة بين الأطراف.
وتنص الوثيقة على ربط عملية نزع السلاح تدريجيًا بانسحاب إسرائيلي تدريجي، إلى جانب نقل المسؤوليات المدنية والأمنية في قطاع غزة إلى إدارة فلسطينية انتقالية، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار، وبدء عملية إعادة إعمار واسعة للقطاع.
وبحسب الوثيقة المنشورة على الموقع الرسمي لمجلس السلام، فإن خارطة الطريق تستند إلى الخطة الأمريكية وقرار مجلس الأمن رقم 2803، وتتضمن انتقال السلطات المدنية والأمنية في غزة إلى «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، إلى جانب مسار لنزع السلاح وإعادة ترتيب الوضع الأمني في القطاع.
نقطة الخلاف الأخطر.. من ينزع سلاحه أولًا؟
الخلاف بين الطرفين لا يدور فقط حول فكرة نزع السلاح، وإنما حول ترتيب الخطوات وتوقيتها.
فالخطة الأمريكية تقوم على مسار تدريجي ومتزامن، بحيث يترافق خفض القدرات العسكرية للفصائل الفلسطينية مع خطوات إسرائيلية على الأرض، من بينها الانسحاب من مناطق داخل القطاع.
أما نتنياهو فيطرح شرطًا أكثر تشددًا، يتمثل في ضرورة الوصول أولًا إلى نزع سلاح حماس قبل تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي.
وهذا الفارق في ترتيب الأولويات يمكن أن يتحول إلى عقبة رئيسية أمام تنفيذ الخطة، لأن كل طرف ينتظر خطوات ملموسة من الطرف الآخر قبل تقديم تنازلاته.
حماس تدعم الخطة.. وإسرائيل ترفضها
وجاء الرفض الإسرائيلي بعد إعلان حركة حماس موافقتها على إطار الخطة المدعومة أمريكيًا، وهو ما جعل موقف نتنياهو يمثل تحديًا مباشرًا لمسار كانت واشنطن تسعى إلى دفعه إلى الأمام.
وتشير تقارير دولية إلى أن المقترح كان يتضمن نزعًا تدريجيًا للسلاح مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي، وهو ما يختلف عن المطالبة الإسرائيلية بنزع السلاح بصورة كاملة قبل الانسحاب.
وبذلك أصبح مستقبل الخطة مرتبطًا بقدرة الوسطاء والولايات المتحدة على التوصل إلى صيغة تسمح بتنفيذ الخطوات بصورة متبادلة، بدلًا من اشتراط تنفيذ أحد الأطراف التزاماته بالكامل قبل تحرك الطرف الآخر.
ترامب ونتنياهو.. خلاف داخل التحالف
ويمثل رفض نتنياهو للخطة إحراجًا سياسيًا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يسعى إلى تقديم إنهاء الحروب في المنطقة باعتباره أحد الملفات الرئيسية في سياسته الخارجية.
وعلى الرغم من قوة التحالف بين واشنطن وتل أبيب، فإن خطة غزة كشفت عن اختلاف واضح في الأولويات؛ فالإدارة الأمريكية تريد دفع مسار سياسي يضع حدًا للقتال ويفتح الطريق أمام مرحلة جديدة في القطاع، بينما يتمسك نتنياهو بشروط أمنية أكثر صرامة قبل قبول أي انسحاب.
وكانت تقارير قد أشارت إلى أن الرفض الإسرائيلي فاجأ مسؤولين عسكريين إسرائيليين كانوا يعتقدون أن رئيس الوزراء منخرط في مناقشات بشأن تنفيذ بعض جوانب الخطة، بما في ذلك الانسحاب المرحلي.
مستقبل غزة في قلب الأزمة
ولا تتوقف الأزمة عند الانسحاب ونزع السلاح، إذ تطرح الخطة أسئلة أكبر بشأن مستقبل قطاع غزة بعد الحرب: من سيدير القطاع؟ ومن سيتولى مسؤولية الأمن؟ وكيف ستتم إعادة الإعمار؟ وما طبيعة العلاقة بين الإدارة الجديدة والسلطة الفلسطينية؟
وتسعى الخطة إلى إنشاء إدارة فلسطينية انتقالية من التكنوقراط، مع ترتيبات أمنية دولية وإعادة إعمار القطاع، إلا أن تطبيق هذه التصورات يحتاج أولًا إلى اتفاق على الملفات الأكثر حساسية، وعلى رأسها السلاح والانسحاب الإسرائيلي.
كما أن أي تأخير في تنفيذ الخطة يهدد بإطالة أمد الوضع الانتقالي، ويزيد من صعوبة البدء في إعادة الإعمار وترتيب الحياة المدنية داخل غزة.
ضغوط دولية متزايدة على إسرائيل
ويأتي الخلاف حول خطة غزة في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية على الحكومة الإسرائيلية بسبب سياساتها في غزة والضفة الغربية.
وخلال الأيام الأخيرة، فرضت بريطانيا وفرنسا وكندا إجراءات تستهدف التجارة المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، في خطوة وصفت بأنها محاولة للضغط على إسرائيل ودعم حل الدولتين. وردت إسرائيل بإجراءات دبلوماسية ضد بريطانيا، بينها المطالبة بإغلاق قنصليتها في القدس الشرقية.
كما أثارت تصريحات وزراء إسرائيليين بشأن مستقبل الفلسطينيين في غزة موجة جديدة من الجدل الدولي، رغم تأكيد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، اليوم، أن الحكومة لا تملك خطة لترحيل الفلسطينيين من القطاع.
هل تنهار خطة ترامب؟
ويظل السؤال الأهم الآن هو ما إذا كانت واشنطن ستتمكن من تعديل الخطة بما يرضي الحكومة الإسرائيلية، أم ستضغط على نتنياهو للقبول بالصيغة الحالية.
فنجاح الخطة يتوقف بصورة كبيرة على الاتفاق على تسلسل الخطوات: هل يبدأ الانسحاب الإسرائيلي بالتوازي مع نزع السلاح، أم تنتظر إسرائيل نزع السلاح بالكامل قبل أي انسحاب؟
وبينما تتمسك حكومة نتنياهو بشرطها، تظل الخطة الأمريكية أمام اختبار حقيقي، خصوصًا أن أي اتفاق بشأن غزة يحتاج إلى آلية واضحة لتنفيذ الالتزامات والتحقق منها، وليس مجرد إعلان سياسي.
وفي ظل استمرار الخلاف حول السلاح والانسحاب وإدارة القطاع، تبدو عملية إنهاء الحرب وإطلاق مرحلة إعادة إعمار غزة مرتبطة الآن بقدرة واشنطن والوسطاء على سد الفجوة بين الشروط الإسرائيلية ومراحل الخطة الأمريكية، وإقناع الأطراف بأن تنفيذ الالتزامات يجب أن يكون متبادلًا ومتزامنًا، لا مشروطًا بتنازل طرف واحد أولًا.










