تحصينات تحت الأرض، دفاعات جوية، مسيرات ومنشآت عسكرية متقدمة تثير تساؤلات حول أهداف القاعدة في صراع البحر الأحمر والقرن الإفريقي
لندن – المنشر_الاخباري
تشهد منطقة القرن الإفريقي تطورًا عسكريًا لافتًا مع اقتراب الإمارات من استكمال توسعة منشأة عسكرية ضخمة في مطار بربرة بإقليم أرض الصومال، في خطوة قد تعيد رسم موازين القوى بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق باب المندب.
وبحسب تقرير نشره موقع “سكاي داغر” نقلاً عن صور أقمار صناعية ومصادر أمنية، فإن المشروع الذي استمر نحو عشرة أشهر لم يعد مجرد تطوير للبنية التحتية لمطار مدني، بل تحول إلى منشأة ذات طابع عسكري متقدم، تضم تحصينات، ومخازن محصنة، ومنشآت محتملة للطائرات المسيرة، إضافة إلى أنظمة مراقبة ودفاع جوي.
وتقع قاعدة بربرة على ساحل خليج عدن، في موقع استراتيجي يتيح مراقبة حركة الملاحة البحرية في الجزء الجنوبي من البحر الأحمر، وهي منطقة اكتسبت أهمية مضاعفة خلال السنوات الأخيرة بسبب تصاعد الهجمات الحوثية على السفن التجارية والعسكرية، وارتباط أمن الممرات البحرية بالتوترات الإقليمية بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
مشروع يتجاوز الاستخدام المدني
لطالما شكل مطار بربرة موقعًا استراتيجيًا بسبب مدرجه الطويل الذي يعود إلى الحقبة السوفيتية، والذي يبلغ طوله نحو أربعة كيلومترات، ما يجعله قادرًا على استقبال طائرات عسكرية كبيرة.
لكن عمليات التوسعة الأخيرة، وفق التقرير، تشير إلى تغيير طبيعة الموقع. فقد تم منع الوصول إلى المطار، وقطعت الطرق المؤدية إليه، بينما ظهرت أعمال حفر واسعة جنوب المدرج، تضمنت إنشاء خنادق عميقة وتجهيزات تحت الأرض.
ووفق مصادر أمنية أوروبية نقل عنها التقرير، فإن بعض هذه المنشآت المدفونة قد تستخدم كمخازن للذخائر أو الوقود، وهي بنية شائعة في القواعد العسكرية التي تحتاج إلى حماية من الهجمات الجوية والصاروخية.
كما أظهرت الصور وجود عشرات الحاويات التي تم وضعها داخل تجاويف أرضية ثم تغطيتها، إضافة إلى توسعة مناطق التخزين وإنشاء مستودعات جديدة محاطة بسواتر ترابية لحمايتها.
دفاعات جوية ورادارات حول القاعدة
من أبرز التطورات التي لفتت انتباه المحللين العسكريين ظهور مواقع جديدة لأنظمة دفاع جوي ورادارات حول محيط المطار.
وتشير التحليلات إلى وجود مواقع مجهزة لاستقبال صواريخ أرض-جو، إضافة إلى منشآت مراقبة قريبة من محيط القاعدة.
كما ظهرت منصات مرتفعة يعتقد أنها قد تستخدم لتركيب أنظمة رادار أو معدات مراقبة جوية، وهو ما يمنح الموقع قدرة أكبر على رصد التحركات الجوية والبحرية في المنطقة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بسبب قرب بربرة من اليمن، حيث تخوض الولايات المتحدة وحلفاؤها مواجهة مفتوحة مع جماعة الحوثي التي شنت هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة على سفن في البحر الأحمر وخليج عدن.
المسيرات والطائرات.. التحول إلى مركز عمليات
لم تقتصر أعمال التطوير على التحصينات الأرضية، بل شملت أيضًا الجانب الجوي.
وبحسب التقرير، فقد شهدت ساحة الطائرات الرئيسية عمليات إعادة بناء واسعة، تضمنت إزالة منشآت قديمة وإنشاء ثلاث حظائر كبيرة، اثنتان منها مصممتان على الأرجح لاستيعاب طائرات مسيرة أو طائرات عسكرية خفيفة.
كما ظهرت مناطق جديدة تحتوي على عشرات الحاويات، وسط تقديرات بأنها قد تستخدم لتخزين معدات تشغيل الطائرات المسيرة والأنظمة الإلكترونية والمواد اللوجستية.
ويشير محللون إلى أن امتلاك قاعدة قريبة من باب المندب يمنح أي قوة عسكرية قدرة على مراقبة أحد أكثر الممرات البحرية حساسية، حيث تمر نسبة كبيرة من تجارة الطاقة والبضائع العالمية.
لماذا بربرة الآن؟
يرتبط توقيت تطوير القاعدة بالتغيرات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة.
ففي نهاية عام 2025، أعلنت إسرائيل اعترافًا غير مسبوق باستقلال أرض الصومال، وهي خطوة أثارت جدلًا واسعًا، واعتبرها مراقبون جزءًا من إعادة ترتيب التحالفات في القرن الإفريقي.
كما يأتي المشروع في ظل رغبة أمريكية في تعزيز وجودها العسكري بالقرب من البحر الأحمر، خصوصًا مع تزايد النفوذ الصيني في المنطقة، ووجود قاعدة عسكرية صينية في جيبوتي.
ويرى بعض الخبراء أن بربرة قد تمثل بديلًا استراتيجيًا لواشنطن إذا أرادت تقليل اعتمادها على جيبوتي، حيث تواجه بعض القيود السياسية والجغرافية المرتبطة بوجودها هناك.
تعاون إماراتي أمريكي إسرائيلي محتمل
يشير التقرير إلى أن المنشأة يجري تطويرها ضمن اتفاق دفاعي بين الإمارات وأرض الصومال يعود إلى عام 2017، وأن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين زاروا الموقع خلال الفترة الماضية.
كما تحدث التقرير عن زيارات لوفود تابعة للقيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم”، إضافة إلى اتصالات بين مسؤولين إسرائيليين والجيش في أرض الصومال.
ويرى مراقبون أن أي وجود إسرائيلي محتمل في هذه المنطقة سيكون ذا حساسية كبيرة، بالنظر إلى قرب الموقع من اليمن والبحر الأحمر، حيث تشكل إيران وحلفاؤها أحد الأطراف الرئيسية في الصراع الإقليمي.
تداعيات على أمن البحر الأحمر
إذا اكتملت القاعدة ودخلت مرحلة التشغيل الكامل، فقد تصبح واحدة من أهم المنشآت العسكرية في المنطقة، ليس فقط بالنسبة للإمارات، ولكن أيضًا لشركائها المحتملين.
فالموقع يمنح قدرة على مراقبة طرق التجارة، ودعم العمليات البحرية والجوية، وربما تنفيذ عمليات استخباراتية أو عسكرية في محيط اليمن والبحر الأحمر.
لكن هذا التطور قد يزيد أيضًا من حدة المنافسة الإقليمية، خصوصًا مع إيران التي تنظر إلى أي توسع عسكري أمريكي أو إسرائيلي بالقرب من مناطق نفوذها باعتباره تهديدًا مباشرًا.
وفي المقابل، قد ترى الدول الداعمة للمشروع أن تعزيز الوجود العسكري في بربرة يهدف إلى حماية الملاحة الدولية ومواجهة تهديدات الجماعات المسلحة.
سباق النفوذ في القرن الإفريقي
تأتي قاعدة بربرة ضمن سباق أوسع بين القوى الإقليمية والدولية للسيطرة على المواقع الاستراتيجية في القرن الإفريقي.
فالإمارات تمتلك بالفعل حضورًا عسكريًا ولوجستيًا في موانئ ومناطق عدة بالبحر الأحمر وخليج عدن، بينما تعمل قوى أخرى مثل تركيا والصين وروسيا على تعزيز نفوذها في المنطقة.
ومع استمرار التوترات في الشرق الأوسط، وتحول البحر الأحمر إلى ساحة صراع مفتوحة، تبدو بربرة مرشحة لأن تصبح نقطة محورية في معادلة الأمن الإقليمي خلال السنوات المقبلة.
وبينما تؤكد الأطراف المعنية أن هذه المشاريع مرتبطة بمكافحة التهديدات وحماية التجارة الدولية، فإن حجم التحصينات والمنشآت الجديدة يثير تساؤلات حول الدور الحقيقي الذي قد تلعبه القاعدة، وما إذا كانت ستصبح مركزًا عسكريًا جديدًا في قلب صراع النفوذ بين القوى الكبرى.










