رحلة استثنائية تكشف بلداً صغيراً يحتفظ بذاكرة كبيرة.. من مقابر كيشيناو إلى أنفاق النبيذ و”ترانسنيستريا” الغامضة
بروكسل- المنشر_الاخباري
تبدو مولدوفا للوهلة الأولى دولة هادئة على أطراف أوروبا، لكنها تخفي وراء حدودها عالماً مليئاً بالقصص التاريخية والثقافية؛ إذ تجمع بين إرث يهودي عميق، وأديرة محفورة في الصخور، وصناعة نبيذ عالمية، ومناطق لا تزال تعيش أجواء الحقبة السوفيتية.
بعيداً عن الوجهات السياحية التقليدية المزدحمة، تقدم مولدوفا تجربة مختلفة للزائر الباحث عن الأماكن التي لم تفقد هويتها بعد.
في العاصمة كيشيناو، تبدأ الرحلة من أحد أكبر مجمعات المقابر اليهودية في المنطقة، حيث تتحول القبور القديمة إلى سجل مفتوح لتاريخ الجالية اليهودية التي عاشت في بيسارابيا قبل الحرب العالمية الثانية.
وتضم المنطقة آثاراً مرتبطة بمأساة “بوغروم كيشيناو” عام 1903، إضافة إلى مواقع دينية وتاريخية، بينها مكان يحوي مخطوطات توراة تعرضت للتخريب خلال تلك الفترة، وقبر الحاخام يهودا ليب تسيريلسون، أحد أبرز رجال الدين اليهود في بيسارابيا، الذي قُتل خلال الحرب العالمية الثانية.
ورغم تقلص الوجود اليهودي في مولدوفا بعد الهولوكوست والهجرة، فإن الحياة اليهودية بدأت تستعيد بعض حضورها من جديد، خاصة في العاصمة، حيث تقدم الجالية المحلية صورة مختلفة عن البلاد عبر اللقاءات الثقافية والاحتفالات الدينية.
أديرة الصخور.. حيث يلتقي الإيمان بالطبيعة
خارج العاصمة، تتغير ملامح مولدوفا بشكل كبير، خصوصاً في منطقة “أولد أورهي” التي تعد من أبرز المواقع التاريخية والطبيعية في البلاد.
هناك، تمتد التلال الخضراء والمنحدرات الجيرية حول نهر راوت، بينما يقع دير قديم منحوت جزئياً داخل الصخور، في مشهد يجمع بين الطبيعة والروحانية.
ولا تقتصر التجربة على زيارة المعالم، فحتى الطريق إلى الموقع يقدم مشاهد ريفية تكشف جانباً آخر من الحياة المولدوفية، بعيداً عن المدن الحديثة.
مملكة النبيذ تحت الأرض
يظل النبيذ أحد أهم رموز مولدوفا، حيث تعد البلاد من أقدم مناطق إنتاج النبيذ في أوروبا الشرقية.
وتقدم بعض مزارع النبيذ تجارب خاصة تجمع بين التذوق والتاريخ، بينها مصانع تنتج أنواعاً حاصلة على شهادات “كوشير” للتصدير إلى أسواق مختلفة، من بينها إسرائيل والولايات المتحدة.
أما مدينة النبيذ الأسطورية “ميلستي ميشي” فتقدم تجربة نادرة، إذ تمتد أنفاقها تحت الأرض لعشرات الكيلومترات، وتضم أكثر من مليون زجاجة محفوظة في شبكة ضخمة من الممرات المحفورة داخل الحجر الجيري.
ويشعر الزائر أثناء التنقل داخل هذه الأنفاق وكأنه يدخل مدينة كاملة تحت سطح الأرض، تحمل أسماء مرتبطة بأنواع العنب وتاريخ صناعة النبيذ.
ترانسنيستريا.. قطعة من الماضي السوفيتي
من أكثر التجارب إثارة في مولدوفا زيارة منطقة “ترانسنيستريا”، وهي إقليم انفصالي على ضفاف نهر دنيستر يعيش أجواء مختلفة تماماً عن باقي البلاد.
عند دخول مدينة تيراسبول، تظهر المباني الضخمة، وتماثيل لينين، والرموز السوفيتية في مشهد يبدو وكأنه توقف عند مرحلة تاريخية سابقة.
ويستخدم الإقليم عملته الخاصة، كما أن بعض الخدمات الحديثة لا تزال محدودة، ما يجعل الزيارة أشبه برحلة إلى متحف حي.
وفي الأسواق المحلية والمطاعم الشعبية، يمكن للزائر التعرف على تفاصيل الحياة اليومية للسكان، من الأطعمة التقليدية إلى المنتجات التي تحمل طابع الحقبة السوفيتية.
حصون وإمبراطوريات قديمة
قرب تيراسبول، تقف قلعة بندر التاريخية شاهدة على قرون من الصراعات بين الإمبراطوريات العثمانية والروسية وغيرها.
وتكشف القلعة أهمية الموقع الاستراتيجي للمنطقة، التي كانت على مدى التاريخ نقطة التقاء بين قوى مختلفة.
أما داخل المدن، فتستمر مظاهر الحياة الحديثة جنباً إلى جنب مع آثار الماضي، حيث تنتشر الأسواق الشعبية والمقاهي والمهرجانات الثقافية.
بلد خارج الخريطة السياحية التقليدية
رغم أنها لا تحظى بشهرة كبرى مقارنة بدول أوروبية أخرى، فإن مولدوفا تقدم تجربة مختلفة تعتمد على الأصالة وليس على المعالم السياحية الضخمة.
فهي بلد يجمع في رحلة واحدة بين التاريخ اليهودي، والروحانية المسيحية، وثقافة النبيذ، وذكريات الاتحاد السوفيتي، ما يجعلها واحدة من أكثر الوجهات الأوروبية إثارة للاكتشاف.










