بورتسودان- المنشر_الاخباري
الضربات الغربية التي أضعفت قدرة طهران على دعم الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان تفتح الباب أمام قوى إقليمية ودولية جديدة، وسط مخاوف من تحول السودان إلى ساحة نفوذ بين تركيا وقطر وروسيا وفرنسا، وانعكاس ذلك على أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
السودان بعد إيران.. من يملأ الفراغ في البحر الأحمر؟
مع تراجع قدرة إيران على تقديم الدعم لحلفائها في السودان، بدأت مرحلة جديدة من الصراع على النفوذ داخل واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم، حيث لم يعد الملف السوداني مجرد أزمة داخلية، بل أصبح جزءاً من منافسة دولية وإقليمية واسعة تمتد من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي.
فخلال الفترة الماضية، لعبت طهران دوراً في بناء علاقات مع أطراف مرتبطة بالمؤسسة العسكرية السودانية، خصوصاً في ظل الحرب المستمرة التي أعادت تشكيل التحالفات داخل البلاد.
لكن الضغوط والضربات الغربية التي استهدفت النفوذ الإيراني في المنطقة أثرت على قدرة طهران على الحفاظ على هذا الدور، ما فتح الباب أمام سؤال رئيسي: من سيكون اللاعب القادم القادر على تعويض هذا الفراغ؟
قوى جديدة تبحث عن موطئ قدم
تشير التطورات إلى أن عدداً من القوى قد تسعى لتعزيز حضورها في السودان، من بينها تركيا وقطر وروسيا وحتى فرنسا، حيث يمتلك كل طرف مصالح مختلفة في المنطقة.
تركيا تنظر إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي باعتبارهما امتداداً مهماً لنفوذها الاقتصادي والعسكري، بينما تمتلك قطر تاريخاً من التحركات الدبلوماسية في ملفات المنطقة.
أما روسيا، فتسعى منذ سنوات إلى توسيع حضورها في أفريقيا، سواء عبر التعاون العسكري أو الاتفاقيات الاقتصادية، خاصة في المناطق القريبة من الممرات البحرية الاستراتيجية.
في المقابل، تحاول فرنسا الحفاظ على نفوذها التقليدي في القارة الأفريقية، خصوصاً بعد تراجع وجودها في مناطق عدة من الساحل، ما يجعل السودان والبحر الأحمر مجالاً مهماً لتعويض جزء من هذا النفوذ.
الجيش السوداني والمعادلة الإقليمية
يمثل الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان محوراً أساسياً في الحسابات الدولية، نظراً لموقع السودان الجغرافي وثرواته الطبيعية وأهمية الموانئ المطلة على البحر الأحمر.
ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، أصبح السودان ساحة تتنافس فيها قوى إقليمية مختلفة، حيث يسعى كل طرف إلى بناء علاقات مع الجهة التي يرى أنها ستسيطر على مستقبل البلاد.
ويرى مراقبون أن أي دعم خارجي للسلطة العسكرية قد يغير شكل التوازنات الداخلية، خصوصاً إذا جاء من دول تمتلك أجندات أمنية أو سياسية تتجاوز حدود السودان.
البحر الأحمر.. الهدف الأكبر خلف الصراع
لا تكمن أهمية السودان فقط في حدوده وثرواته، بل في موقعه على البحر الأحمر، أحد أهم طرق التجارة العالمية.
فالمنطقة تمر عبرها ملايين الأطنان من البضائع والطاقة سنوياً، وأي تغير في ميزان القوى فيها قد يؤثر على أمن الملاحة الدولية.
ولهذا السبب، فإن الصراع على السودان ليس منفصلاً عن المنافسة الأوسع حول الموانئ والقواعد العسكرية وخطوط الإمداد البحرية.
ويخشى محللون من أن يؤدي دخول قوى جديدة ذات توجهات سلطوية أو أيديولوجية إلى زيادة تعقيد الوضع، وتحويل البحر الأحمر إلى منطقة نفوذ متنافسة بين أطراف متعددة.
تركيا وقطر وروسيا.. خيارات محتملة بعد إيران
يرى بعض المراقبين أن تركيا قد تكون من أبرز المستفيدين من تراجع الدور الإيراني، بسبب علاقاتها المتنامية مع دول القرن الأفريقي واهتمامها بالموانئ والتجارة.
كما أن قطر، التي لعبت أدواراً دبلوماسية في أزمات إقليمية سابقة، قد تسعى إلى الحفاظ على حضور سياسي في السودان.
أما روسيا، فإنها تنظر إلى أفريقيا باعتبارها ساحة استراتيجية لمواجهة النفوذ الغربي، وقد ترى في السودان فرصة لتعزيز وجودها قرب أحد أهم الممرات البحرية.
لكن دخول هذه القوى لا يعني بالضرورة استقرار الوضع، إذ إن تضارب المصالح بينها قد يؤدي إلى مزيد من المنافسة بدلاً من الحلول السياسية.
فرنسا أمام اختبار جديد في أفريقيا
تواجه فرنسا تحديات كبيرة في الحفاظ على نفوذها الأفريقي بعد تراجع حضورها في عدد من الدول.
وقد يدفعها ذلك إلى البحث عن دور جديد في السودان، سواء عبر المسار الدبلوماسي أو من خلال التعاون الأمني والاقتصادي.
لكن أي انخراط فرنسي في الملف السوداني سيكون محاطاً بحسابات دقيقة، خصوصاً مع وجود انتقادات داخلية وخارجية لأي تعامل مع سلطات عسكرية أو قوى سياسية مثيرة للجدل.
هل يتحول السودان إلى ساحة حرب نفوذ؟
المخاوف الرئيسية تتمثل في أن يتحول السودان من أزمة داخلية إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين القوى الكبرى.
فبدلاً من أن يكون التركيز على إنهاء الحرب وبناء مؤسسات مستقرة، قد تجد البلاد نفسها وسط منافسة بين محاور مختلفة، كل منها يسعى لحماية مصالحه الخاصة.
ويرى خبراء أن مستقبل السودان يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة المجتمع الدولي على منع تحويل البلاد إلى ساحة صراع بالوكالة، ودعم مسار سياسي يضع مصالح الشعب السوداني فوق حسابات النفوذ الخارجي.
المعركة الحقيقية تتجاوز حدود السودان
في النهاية، فإن الصراع على السودان لا يتعلق فقط بمن يسيطر على الخرطوم أو الموانئ، بل بمن يمتلك التأثير على مستقبل البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
فتراجع إيران قد يكون نهاية مرحلة، لكنه في الوقت نفسه قد يكون بداية مرحلة جديدة تدخل فيها قوى أخرى إلى المشهد.
وبينما تتنافس تركيا وقطر وروسيا وفرنسا وغيرها على تعزيز مواقعها، يبقى السؤال الأكبر: هل سيكون السودان بوابة للاستقرار الإقليمي، أم ساحة جديدة لصراع دولي طويل؟
الخلاصة: الفراغ الذي خلفه تراجع النفوذ الإيراني في السودان قد يشعل سباقاً جديداً بين قوى إقليمية ودولية، ومع أهمية موقع السودان على البحر الأحمر، فإن نتائج هذا الصراع لن تؤثر على الخرطوم فقط، بل قد تمتد تداعياتها إلى أمن التجارة العالمية وتوازنات الشرق الأوسط وأفريقيا.










