بغداد – المنشر_الاخباري
تحولت إزالة صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي من واجهة أحد المباني في مدينة كربلاء إلى أزمة سياسية تتجاوز حدود الحادثة نفسها، بعدما أعادت فتح واحدة من أكثر القضايا حساسية في العراق: نفوذ طهران، ودور الفصائل المسلحة، وقدرة الدولة على فرض القانون على الجميع.
وبدأت الواقعة عندما قام منتسبان في هيئة الحشد الشعبي بتعليق صورة كبيرة لخامنئي على واجهة مبنى يطل على شارع رئيسي في كربلاء، قبل أن تتدخل قوة حفظ النظام التابعة لوزارة الداخلية وتقوم بإزالتها بدعوى عدم وجود الموافقات الرسمية المطلوبة.
ورغم أن الإجراء قُدم باعتباره تطبيقًا للتعليمات الخاصة بتنظيم اللافتات والصور في الأماكن العامة، فإن تداعياته السياسية اتسعت سريعًا، بعدما دخلت أطراف سياسية وإعلامية على خط الأزمة، بين من اعتبر الخطوة تأكيدًا لسلطة الدولة، ومن رأى فيها استهدافًا لرمز مرتبط بعلاقات العراق الإقليمية.
من إجراء أمني إلى مواجهة سياسية
لم تبقَ الحادثة في إطارها الإداري، إذ تحولت إلى سجال حول سؤال أكبر: من يملك القرار في الشارع العراقي؟ المؤسسات الرسمية أم القوى التي تمتلك نفوذًا سياسيًا وأمنيًا؟
ويرى مراقبون أن إزالة الصورة حملت دلالات رمزية كبيرة، خصوصًا أنها حدثت في مدينة ذات أهمية دينية وسياسية مثل كربلاء، حيث تتقاطع الاعتبارات المحلية مع تأثيرات إقليمية واسعة.
كما اعتبر محللون أن القضية كشفت استمرار الانقسام داخل العراق بشأن شكل العلاقة مع إيران، بين تيارات ترى أن طهران حليف استراتيجي، وأخرى تطالب بقرار عراقي مستقل بعيدًا عن أي تأثير خارجي.
اختبار لشعار “هيبة الدولة”
تأتي هذه الواقعة في وقت ترفع فيه الحكومة العراقية شعار تعزيز سلطة الدولة وحصر تطبيق القانون بالمؤسسات الرسمية، في محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين الأجهزة الحكومية والقوى المؤثرة على الأرض.
ويرى مراقبون أن التعامل مع أزمة صورة خامنئي يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الحكومة على تطبيق القوانين دون استثناء، خصوصًا في ظل حساسية ملف الفصائل المسلحة وعلاقات بعضها مع إيران.
ويقول محللون إن نجاح الدولة في فرض قواعد واضحة على الجميع سيكون عاملًا أساسيًا في تحديد شكل المرحلة المقبلة، بينما قد يؤدي التراجع أمام الضغوط السياسية إلى استمرار حالة تعدد مراكز النفوذ داخل البلاد.
ذكريات احتجاجات تشرين تعود
أعادت الحادثة إلى الواجهة مشاهد من احتجاجات تشرين عام 2019، عندما شهد العراق موجة غضب شعبية ضد الفساد والتدخلات الخارجية، تضمنت إزالة وحرق صور شخصيات إيرانية بارزة في عدد من المدن.
كما شهدت السنوات الماضية جدلًا متكررًا حول انتشار صور قادة إيرانيين، خصوصًا في مناطق جنوب العراق وبغداد، ما جعل هذه الرموز جزءًا من الصراع السياسي حول الهوية الوطنية والنفوذ الخارجي.
معركة الرموز تعكس صراعًا أعمق
ويرى مراقبون أن أزمة صورة خامنئي ليست مجرد خلاف حول لافتة أو صورة، بل تعكس صراعًا أوسع حول مستقبل العراق السياسي والأمني.
ففي الوقت الذي تسعى فيه قوى سياسية إلى تعزيز مفهوم الدولة والمؤسسات، تتمسك قوى أخرى بعلاقاتها الإقليمية وترى أن نفوذ حلفائها جزء من معادلة الأمن والسياسة في البلاد.
وبين دعوات فرض السيادة الوطنية، والتمسك بعلاقات استراتيجية مع إيران، تبدو حادثة كربلاء حلقة جديدة في نقاش طويل حول مستقبل العراق وموقعه داخل صراعات المنطقة.










