ارتكبت السلطة الانتقالية في دمشق خطأً سياسيًا وقانونيًا بالغ الخطورة، خطأً غير محسوب النتائج، ولا يمكن التخفيف من تبعاته أو تجاوزه بالتبرير الإعلامي أو التوصيف المضلِّل.
لقد ظنت أنها ستغلق الملف، فإذا بها توسّعه.
وظنت أن الاعتقالات ستُسكت الأسئلة، فإذا بها تفتح بابًا لأسئلة أكبر وأثقل.
وظنت أن إعادة توصيف ما جرى على أنه شجار بين شبان ستعيد ترتيب المشهد بعد القليل من الخلط بالأوراق لكن الوقائع الموثقة أسقطت هذه الرواية منذ اللحظة الأولى.
فالذي جرى لم يكن حادثة معزولة، بل نمطًا متكررًا بدأ بتحرش استهدف فتيات مسيحيات، وتلاه اعتداءات ومضايقات مختلفة طالت أهالي المدينة نفسها، ثم تطور إلى اعتداءات من طرف واحد، وإطلاق نار، وإلقاء قنبلة يدوية، وإصابات موثقة، لتنتهي السلسلة باعتقال إلياس جبور وكرم فرحة وطارق البلاطة، وهم من خرجوا للدفاع عن مدينتهم، ظنًّا منهم أن الأمر سيمر كما مرّت سابقاته.
لكن الذي لم تدركه السلطة، أو تجاهلته عمدًا، هو أن التكرار لم يعد تفصيلًا، بل صار دليلًا.
فبعد ما جرى في السقيلبية، وقع حادث تومين، ثم جاء الاعتداء على كنيسة الزيتون في دمشق، وقبل ذلك كله سلسلة من حوادث الخطف والاعتداءات والاغتيالات والوفيات والاعتقالات، من دون أن تنتهي إلى مساءلة واضحة أو نتائج معلنة.
وفي القانون، كما في السياسة والدبلوماسية، ليست الحادثة المنفردة هي التي ترسم الصورة، بل النمط المتكرر. وحين يتكرر الفعل ذاته بصيغ مختلفة وعلى نحو متصل، تصبح الوقائع نفسها هي الشاهد الأول، مهما ارتفعت أصوات التبرير والتلميع والترقيع.
ولهذا، فقد خرج هذا الملف من نطاق الحادثة المحلية الضيقة، وصار ملفًا يوثق الوقائع كما حدثت، ويربط الأفعال بنتائجها، ويحدد المسؤوليات من مصدرها الحقيقي.
ومن هذه اللحظة، لن يكون من السهل توفير غطاء سياسي أو قانوني لهذه الوقائع، لأن الوقائع نفسها تحولت إلى قرينة، ولأن التكرار صنع نمطًا واضحًا يمكن توثيقه وتحليله ومساءلة المسؤولين عنه.
لقد أخطأت السلطة في تقديرها.
كانت تعتقد أنها تدير أزمة محلية محدودة.
لكن قراراتها نقلت القضية إلى مستوى أوسع، إلى مستوى المساءلة القانونية والحقوقية والدبلوماسية الدولية.
وعليه، سيُستكمل إعداد ملف موحد يتضمن جميع الوقائع، والأدلة، والفيديوهات، والشهادات، والتسلسل الزمني للأحداث، وأسماء المعتقلين، وطريقة تعامل السلطات مع القضية، إلى جانب كل ما سبقها من وقائع مشابهة، لإثبات النمط المتكرر، لا توثيق حادثة واحدة بمعزل عن سياقها.
وسيُحال هذا الملف إلى مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، والآلية الدولية المحايدة والمستقلة، والمقرر الخاص المعني بحرية الدين أو المعتقد، والمقرر الخاص المعني بقضايا الأقليات، إضافة إلى البعثات الدبلوماسية المعنية، والجهات الكنسية الدولية، والمنظمات الحقوقية المختصة.
ولن يُقدَّم هذا الملف بوصفه خلافًا محليًا عابرًا، ولا إشكالًا أمنيًا محدودًا، بل باعتباره نمطًا متكررًا من الانتهاكات لا يمكن إنكاره أو الالتفاف عليه.
لقد تجاوزت القضية حدود السقيلبية، ولم يعد من الممكن احتواؤها؛ لأنها أصبحت ملفًا عامًا مفتوحًا، يتسع مع كل واقعة جديدة، وكل دليل جديد، وكل شاهد جديد.
السيسي يؤكد لأمير الكويت أن أمن الدول العربية جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري
السيسي يؤكد لأمير الكويت أن أمن الدول العربية جزء لا...
Read moreDetails










