طهران – المنشر_الاخباري
لسنوات طويلة، نجحت دول الخليج في اتباع سياسة تقوم على الابتعاد عن الاستقطاب الحاد بين القوى الإقليمية والدولية، فحافظت على تحالفاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، ووسعت علاقاتها الاقتصادية مع الصين، وأبقت قنوات الحوار مفتوحة مع إيران، إلى جانب تطوير أشكال مختلفة من التعاون مع إسرائيل.
لكن تصاعد المواجهة في المنطقة بدأ يفرض واقعًا جديدًا، حيث بات من الصعب على دول الخليج الحفاظ على سياسة المسافة الواحدة من جميع الأطراف، في وقت أصبحت فيه تداعيات الصراع تصل إلى أمنها ومصالحها الاقتصادية بشكل مباشر.
رهان خليجي على الاستقرار يواجه عاصفة إقليمية
بنت دول الخليج خلال العقود الماضية نموذجًا اقتصاديًا قائمًا على الاستقرار والانفتاح العالمي. فالمشاريع العملاقة في السعودية، والمراكز المالية في الإمارات، وصناعة الغاز في قطر، وقطاعات السياحة والطيران والتكنولوجيا، كلها اعتمدت على فكرة أساسية وهي أن المنطقة يمكن أن تحقق الازدهار بعيدًا عن الحروب.
هذا النموذج سمح لدول الخليج بأن تتعامل مع مختلف القوى دون الدخول في تحالفات مغلقة، فكانت واشنطن شريكًا أمنيًا رئيسيًا، بينما أصبحت بكين لاعبًا اقتصاديًا مهمًا، واستمرت العلاقات مع طهران في إطار محاولات خفض التصعيد.
لكن الحرب والتوترات المتزايدة تهدد هذه المعادلة، لأن الاقتصاد الخليجي يعتمد بشكل كبير على أمن الطاقة، وحرية الملاحة، وثقة المستثمرين الدوليين.
مضيق هرمز وباب المندب.. حدود الحياد تضيق
أصبح الموقع الجغرافي لدول الخليج عامل ضغط متزايد مع تصاعد التوترات الإقليمية.
فمضيق هرمز يمثل شريانًا رئيسيًا للطاقة العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على أسواق النفط والتجارة الدولية. وفي المقابل، يشكل باب المندب والبحر الأحمر منطقة استراتيجية أخرى بسبب أهميتهما لحركة السفن بين آسيا وأوروبا.
وبذلك تجد دول الخليج نفسها أمام حقيقة جديدة: الصراعات التي كانت تحاول إبقاءها خارج حدودها أصبحت مرتبطة بأمنها القومي واقتصادها بشكل مباشر.
إسرائيل تراهن على نموذج الردع لمواجهة إيران
يرى المقال أن إسرائيل اعتمدت خلال السنوات الماضية على بناء استراتيجية تقوم على الردع، من خلال تطوير قدراتها العسكرية، وتعزيز منظومات الدفاع، وبناء اقتصاد قادر على تحمل فترات طويلة من التوتر.
ويستند مفهوم الردع إلى فكرة أن الخصم يجب أن يدرك أن أي تصعيد ستكون له تكلفة كبيرة، وأن الدولة تملك القدرة والاستعداد للرد.
وفي ظل استمرار التوتر مع إيران، تحاول إسرائيل تقديم نفسها باعتبارها طرفًا قادرًا على مواجهة التهديدات الإقليمية، وهو ما قد يفتح الباب أمام مزيد من التعاون الأمني مع بعض دول المنطقة.
إيران تضغط على الخليج لتغيير الحسابات
لطالما حاولت دول الخليج تجنب المواجهة المباشرة مع إيران، واعتمدت بدلًا من ذلك على الحوار والدبلوماسية وتنويع العلاقات الدولية.
لكن استمرار الضغوط والتهديدات المرتبطة بالصراع الإقليمي قد يجعل هذا النهج أكثر صعوبة، خصوصًا إذا شعرت دول الخليج بأن سياسة التهدئة لم تعد كافية لحماية مصالحها.
فالمعادلة التي قامت لسنوات على فكرة “عدم اختيار طرف” قد تواجه اختبارًا حقيقيًا إذا أصبح الأمن الإقليمي بحاجة إلى مواقف أكثر وضوحًا.
واشنطن أمام اختبار حماية الحلفاء
يبقى الدور الأميركي عنصرًا أساسيًا في مستقبل المنطقة، إذ تواجه واشنطن تساؤلات حول حجم التزامها تجاه حلفائها في الخليج.
فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بالمواجهة بين إيران وإسرائيل، بل أصبحت تشمل أمن الممرات البحرية، واستقرار أسواق الطاقة، وحماية القوات والمصالح الأميركية في المنطقة.
ويرى مراقبون أن أي تغيير في مستوى الانخراط الأميركي قد يعيد تشكيل موازين القوى، ويفتح المجال أمام قوى دولية أخرى لتعزيز نفوذها.
الخليج أمام واقع إقليمي جديد
بعد سنوات من محاولة الجمع بين الأمن الأميركي، والعلاقات الاقتصادية مع الصين، والحوار مع إيران، والانفتاح على إسرائيل، قد تجد دول الخليج نفسها أمام مرحلة مختلفة تفرض إعادة ترتيب الأولويات.
فالسؤال لم يعد فقط كيف تحافظ المنطقة على سياسة الحياد، بل أصبح: من يملك القدرة على حماية النظام الإقليمي الذي سمح للخليج بتحقيق هذا النمو الاقتصادي؟
وفي ظل استمرار التصعيد، يبدو أن المنطقة تدخل مرحلة قد يصبح فيها تجنب الاختيار أكثر صعوبة من اتخاذ القرار نفسه.













