أثارت المناقشة المتجددة حول إمكانية استقالة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، موجة عارمة من التوترات داخل هيكل السلطة في طهران، وتصاعد سيطرة الحرس الثوري على مقاليد السلطة في إيران.
تحركات التيار المتشدد في إيران
وتُعدّ تصريحات محمد باقر خرازي، الأمين العام لحزب الله الإيراني، ونبرة وسائل الإعلام المقربة من التيار المتشدد مثل وكالة “راجا نيوز”، مؤشراً واضحاً على تصاعد الخلاف بين بزشكيان وقادة الحرس الثوري.
هذا الخلاف ربما تجاوز مجرد اختلاف الآراء حول أسلوب الإدارة، ليطرح تساؤلات مصيرية حول ما إذا كانت إيران، تحت وطأة الأزمات المتراكمة، تقترب من مرحلة حرجة تهدد مستقبل بقاء النظام واستقراره.
وكان بزشكيان قد وجّه رسالة رسمية إلى مكتب المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، طالبه فيها بالاستقالة.
ووفقاً للتقارير المتداولة، حذّر رئيس الحكومة من أن إدارة البلاد قد أُخرجت كلياً عن قنواتها الدستورية الرسمية، وأن مجموعة من كبار قادة الحرس الثوري الإيراني قد سيطرت بالكامل على القطاعات الرئيسية في مفاصل الدولة.
ويبدو أن هذا التوجه لم يكن حالة عابرة، إذ سُبقت هذه الاحتجاجات بتهديدات بالاستقالة في مناسبات عدة، بما في ذلك الفترة التي سبقت محادثات إسلام آباد.
والآن، زعم محمد باقر خرازي أن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي قد أعلن صراحة موافقته على استقالة بزشكيان في حال كرر محاولته الاستقالة مرة أخرى.
صراع الأجنحة: بين الواجهة المدنية وهيمنة العسكر
إن مجرد طرح احتمال استقالة بزشكيان ورد الفعل المرتقب من مجتبى خامنئي، بغض النظر عن مدى دقة التفاصيل السردية، يعكس بوضوح أن منظومة صنع القرار في طهران قد ولجت مرحلة جديدة ومعقدة بعد وفاة علي خامنئي. وهي مرحلة بدت فيها حدود صلاحيات الحكومة المدنية وعلاقاتها الملتبسة بالزعيم الجديد وقادة الحرس الثوري أكثر إثارة للجدل والانقسام من أي وقت مضى.
ولا تقتصر دلالة التطورات الأخيرة على تصريحات خرازي فحسب، بل إن “راجا نيوز”، وفي هجومها الحاد على مؤيدي أي اتفاق محتمل بين طهران واشنطن، استخدمت مصطلحات دلالية مكثفة مثل “الاستسلام”، و”صمود الشعب”، و”استحالة حكم البلاد”، و”الأضرار التي لا يمكن إصلاحها”. وتعتبر هذه المنصات الإعلامية أن هذه العناوين هي جزء من مشروع واسع يهدف إلى الضغط على مجتبى خامنئي للرضوخ لما وصفته بـ “حل وسط” يضر بمصالح النظام.
ولا تنفي هذه الوسائل الإعلامية حقيقة تداول نقاش الاستقالة على أعلى المستويات التنفيذية، بل تتعامل معها باعتبارها أداة ضغط سياسي موجهة ضد جناح المرشد. ويعزز هذا الواقع فرضية أن الاستقالة ليست مجرد إشاعات عابرة خارج أسوار السلطة، بل تحولت إلى ورقة ضغط رئيسية في صراع مفتوح على هوية النظام ومستقبله؛ وهو مستقبل تظل فيه تطلعات الشعب الإيراني غائبة تماماً، وتتركز كل الخلافات حول سبل ضمان استمرار سيطرة النخبة الحاكمة.
الفجوة بين المسؤولية والصلاحية الفعلية
يكمن جوهر الأزمة في الهوة السحيقة بين المسؤوليات الرسمية المنوطة بالحكومة وبين نطاق صلاحياتها الفعلية على الأرض. فعلى الرغم من أن حكومة بزشكيان هي التي تُطالب بالمساءلة والمحاسبة عن تدهور الاقتصاد، وتبعات الأزمات والحروب، والسخط الشعبي المتصاعد، ونتائج المفاوضات الدولية، إلا أن الجانب الأعظم من القرارات الاستراتيجية في مجالات الأمن، والملفات العسكرية، والسياسة الخارجية يُتخذ بمنأى تام عن الحكومة، وتحديداً داخل مكتب القيادة العامة وأروقة الحرس الثوري.
وفي ظل هكذا هيكل معقد، يُطالب بزشكيان بتحمل عواقب قرارات مصيرية لا يملك بالأصل دوراً حاسماً في صياغتها أو اتخاذها. إنه باختصار يمثل الواجهة المدنية لنظام استولت فيه المؤسسات العسكرية على مقاليد الأمور بشكل متسارع. ونتيجة لذلك، تبدو الاستقالة الخيار الأخير المتاح أمامه لمحاولة استعادة جزء يسير من هيبة ومكانة المؤسسة التنفيذية.
سيناريوهات مستقبلية قاتمة
تتعدد السيناريوهات المحتملة لمستقبل المشهد السياسي الإيراني في ظل هذه المعطيات المتأزمة، السيناريو الأول، البقاء بصلاحيات منقوصة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً، حيث يستمر بزشكيان في منصبه متجنباً تداعيات أزمة انتخابات مبكرة قد تعمق الانقسامات، لكن مع تجريده من أي نفوذ حقيقي، بحيث تُدار شؤون البلاد بالكامل عبر مكتب مجتبى خامنئي والمجلس الأعلى للأمن القومي.
السيناريو الثاني، التتهميش والإزاحة أي أن يتم تحميل حكومة بزشكيان وزر فشل المفاوضات المرتقبة مع واشنطن أو أي انتكاسة اقتصادية وعسكرية قادمة، ومن ثم الإطاحة به وتصوير إقالته كحل سحري للأزمات.
والسيناريو الثالث وهو الرضوخ لاتفاق اضطراري حيث يقرر مجتبى خامنئي المضي قدماً في إبرام اتفاق سياسي خارجي، لا كاستجابة لمطالب الحكومة، بل كقرار سيادي فرضه تأزم الأوضاع الداخلية والاقتصادية.










