بينما يسعى الحوار الوطني الإثيوبي إلى رسم مسار نحو السلام والاستقرار، فإنه يواجه مهمة جسيمة لمعالجة القضايا السياسية والتاريخية والمؤسسية المعقدة، في ظل تساؤلات لماذا تتكرر الصراعات الكبرى في إثيوبيا؟
نقل المشكلة لا حلها
لم ينجح تحدي بناء الدولة الإثيوبية بعد عام 1991 في إيجاد حل جذري، بل جرى نقله وإعادة تشكيله. فمع تنظيم السلطة السياسية عبر ولايات إثنية إقليمية، تحولت الحكومات المحلية إلى ساحات مركزية لإدارة الاعتراف والتمثيل والحكم الذاتي.
ورغم أن هذا النظام وسّع فرص المشاركة، إلا أنه غيّر آلية التنافس السياسي بشكل عميق.
لقد تجاوزت المؤسسات الإقليمية دورها الإداري البحت، لتساهم عبر سياسات اللغة والتعليم والإعلام في إيجاد تسلسلات هرمية للانتماء بدلاً من تكريس مبدأ المواطنة المتساوية.
وأدى هذا الوضع إلى ربط وثيق بين الهوية والأرض والتمثيل السياسي، مما حول الصراعات على الموارد والسلطة إلى أزمات أمنية تتعلق بالبقاء الجماعي ومكانة الجماعات داخل النظام.
تقاطع الأرض والهوية: أزمة وولكايت نموذجاً
يتضح هذا التوتر جلياً في النزاعات المعقدة مثل نزاع وولكايت، الذي يتجاوز بكثير حدود ترسيم الجغرافيا الإدارية ليعكس صراعات أعمق حول التاريخ، والذاكرة، ومفهوم السكان الأصليين مقابل المستوطنين الجدد. ولا يقتصر هذا النمط على منطقة دون أخرى؛ فهو يظهر بوضوح في ديناميكيات العاصمة أديس أبابا ذات التنوع السكاني العالي، وكذلك في المواجهات المستمرة بين الجماعات المسلحة مثل جيش تحرير أورومو وحركة فانو في إقليم أمهرة.
وعندما تتقاطع السياسة مع الانتماء العرقي والإقليمي، تتحول الإقامة الأساسية إلى قضية شديدة الحساسية، وتفقد الدولة تركيزها على تقديم الخدمات العامة لصالح صراعات الهوية والعضوية، مما يضاعف من معاناة المهمشين والمواطنين المنظر إليهم كأطراف “خارجية” في غير مناطقهم.
إرث الاحتواء ومعضلة حزب الازدهار
خلال عقود ما بعد عام 1991، اعتمد النظام السابق على الاحتواء عبر مفاوضات النخب والقبضة الأمنية المشددة، دون معالجة الجذور التناقضية للبنيه السياسية. ومع تفكك ذلك النظام، انفجرت الأزمات في تيغراي وأوروميا وأمهرة.
ورثت الحكومة الحالية برئاسة آبي أحمد هذا الإرث الثقيل، حيث يحاول خطاب “التآزر الوطني” (ميديمر) التأسيس لمجتمع سياسي مشترك. إلا أن هذا التوجه الاصلاحي لم يُقابله تفكيك مؤسسي لهياكل الهوية العرقية الإقليمية، مما دفع الحكومة في كثير من الأحيان إلى الترجح بين احتواء هذه النزعات أو استرضائها تحت ضغط الحركات المسلحة والجهات القومية.
مسارات الإصلاح واختبار الحوار الوطني
لهذا السبب، فإن الحوار الوطني الإثيوبي يكتسي أهمية بالغة تتجاوز الشكل الدستوري البحت، فهو مطالب بمواجهة المعضلة الهيكلية التي تحول الانتماءات المحلية إلى أزمات أمنية.
ولا يتطلب تجاوز الأزمة التخلي عن النظام الفيدرالي، بل إعادة هندسة الأدوار لكي لا تبقى الأقاليم المراكز الحصرية للولاء السياسي. ويُعد تعزيز المؤسسات دون الإقليمية، مثل إدارات المقاطعات والبلديات، خطوة هامة لتوسيع دائرة التمثيل واستيعاب الهويات المتداخلة.
في النهاية، يواجه الفاعلون السياسيون في إثيوبيا، سواء في الداخل أو في الشتات، اختباراً تاريخياً حقيقياً يتمثل في تحويل التنوع والتاريخ المشترك إلى ركائز للمساواة الفاعلة في المواطنة، بدلاً من تكريس الانقسام والنزاع المسلح في دولة تُمثل ركيزة أساسية لاستقرار القرن الأفريقي بأكمله.










