طهران – المنشر_الاخباري
وجّه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رسالة حاسمة إلى الولايات المتحدة بشأن مستقبل أي مسار تفاوضي بين طهران وواشنطن، مؤكدًا أن إيران لن تعود إلى طاولة المفاوضات ما لم تتوقف واشنطن عن انتهاك مذكرة التفاهم التي أُبرمت بين الجانبين لإنهاء الحرب، وتتخذ خطوات عملية لمعالجة الخروقات التي تقول طهران إنها وقعت.
وأكد عراقجي أن الاتصالات بين إيران والولايات المتحدة لم تنقطع، لكنها تجري حاليًا بصورة غير مباشرة عبر وسطاء، في وقت تكثف فيه عدة دول جهودها لتهيئة الظروف أمام استئناف المفاوضات.
وقال عراقجي، على هامش مراسم أقيمت في طهران، الأحد، إن مفاوضات مباشرة لا تجري حاليًا بين الجانبين، مشيرًا إلى أن «بعض الدول الوسيطة تواصل جهودها لتهيئة الظروف لاستئناف المفاوضات».
لكنه شدد على أن موقف طهران واضح، وأن العودة إلى المفاوضات لن تكون ممكنة «ما لم تتوقف الولايات المتحدة عن انتهاكاتها لمذكرة إسلام آباد وتتخذ الإجراءات المناسبة لمعالجة الخروقات التي حدثت».
طهران تضع شرطًا واضحًا لاستئناف الحوار
وتكشف تصريحات عراقجي أن إيران لا تنظر إلى الوساطة الحالية باعتبارها عودة فعلية إلى المفاوضات، وإنما باعتبارها جهودًا تمهيدية لا تزال مرتبطة بتنفيذ واشنطن التزاماتها السابقة.
وبحسب الرواية الإيرانية، فإن الولايات المتحدة انتهكت مذكرة التفاهم التي وقعتها مع طهران في 17 يونيو، بعدما شنت ضربات على إيران، وهو ما دفع الجانب الإيراني إلى اعتبار تنفيذ أي تفاهم جديد أمرًا غير ممكن قبل معالجة الخروقات السابقة.
وترى طهران أن استئناف المفاوضات يتطلب أولًا إجراءات تضمن عدم تكرار ما تعتبره خرقًا للاتفاقات والتفاهمات.
وفي المقابل، تستمر الاتصالات عبر وسطاء إقليميين في محاولة لمنع انهيار المسار الدبلوماسي بالكامل، خصوصًا في ظل استمرار التوترات العسكرية والسياسية في المنطقة.
خلفية الحرب والتصعيد
وتأتي تصريحات وزير الخارجية الإيراني في ظل تداعيات الحرب التي اندلعت بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
وبحسب الرواية الإيرانية، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير هجومًا على إيران، تضمن اغتيال المرشد الإيراني آية الله السيد علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين.
وقالت طهران إن القوات الإيرانية ردت بعمليات عسكرية واسعة، وإن استمرار المقاومة والهجمات الانتقامية الإيرانية أجبر الطرف الآخر على قبول وقف لإطلاق النار في 8 أبريل، بعد أربعين يومًا من بدء الحرب.
وفي 17 يونيو، وقعت إيران والولايات المتحدة مذكرة تفاهم في إسلام آباد، في إطار المساعي الرامية إلى إنهاء الحرب ووقف التصعيد.
لكن طهران تقول إن الاتفاق لم يصمد طويلًا، وإن الولايات المتحدة انتهكته من خلال تنفيذ ضربات جديدة ضد إيران.
ورداً على ذلك، أعلنت القوات المسلحة الإيرانية تنفيذ هجمات على أهداف أمريكية استراتيجية في أنحاء مختلفة من منطقة غرب آسيا.
مضيق هرمز يدخل صلب المفاوضات
وفي جانب آخر من تصريحاته، كشف عراقجي عن تقدم المباحثات بين إيران وسلطنة عُمان بشأن ترتيبات جديدة لحركة الملاحة في مضيق هرمز.
وقال إن المحادثات بين طهران ومسقط وصلت إلى مراحلها النهائية، وإن الترتيبات الجديدة ستتضمن استبدال المسارات البحرية الحالية بمسارات أخرى.
وأضاف أن متخصصين يعملون حاليًا على إعداد الخرائط والمخططات المتعلقة بالمسارات الجديدة، تمهيدًا للوصول إلى صيغة متفق عليها.
لكن الوزير الإيراني حرص على التأكيد أن التوصل إلى اتفاق بشأن ترتيبات الملاحة لا يعني بالضرورة إعادة فتح مضيق هرمز.
وقال إن الاتفاق على الترتيبات الجديدة قد يتم التوصل إليه، إلا أن إعادة فتح المضيق ستظل مرتبطة بتحقق شروط أخرى سبق أن أبلغت بها إيران الجانب الأمريكي عبر الوسطاء.
هرمز ورقة استراتيجية في المواجهة
ويضيف هذا الموقف بُعدًا استراتيجيًا جديدًا إلى المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، إذ يمثل مضيق هرمز واحدًا من أهم الممرات البحرية في العالم، ويمر عبره جزء كبير من صادرات الطاقة العالمية.
ومن ثم، فإن استمرار القيود على حركة الملاحة أو إعادة تنظيم مساراتها يمكن أن تكون له تداعيات واسعة على حركة ناقلات النفط والغاز والأسواق العالمية.
وتشير تصريحات عراقجي إلى أن طهران تفصل بين تنظيم حركة الملاحة وبين قرار إعادة فتح المضيق بالكامل، بحيث يمكن التوصل إلى ترتيبات فنية جديدة دون أن يعني ذلك انتهاء جميع القيود المفروضة على حركة المرور البحري.
وأكد الوزير أن شروط إعادة فتح المضيق سبق أن نقلت إلى واشنطن عبر قنوات الوساطة، ما يعني أن الملف البحري بات مرتبطًا بصورة مباشرة بالتطورات السياسية بين إيران والولايات المتحدة.
رسائل عراقجي إلى واشنطن
وتحمل تصريحات وزير الخارجية الإيراني رسالة مزدوجة إلى الإدارة الأمريكية.
فالرسالة الأولى سياسية، ومفادها أن طهران لا ترفض الحوار من حيث المبدأ، لكنها ترفض العودة إلى المفاوضات قبل معالجة ما تعتبره انتهاكات أمريكية للتفاهم السابق.
أما الرسالة الثانية فتتعلق بمضيق هرمز، حيث تؤكد إيران أن قرار إعادة فتح الممر المائي لا يخضع فقط للترتيبات الفنية، وإنما يرتبط أيضًا بتحقيق شروط سياسية وأمنية أبلغتها واشنطن عبر الوسطاء.
وبذلك، يبدو أن طهران تحاول إبقاء الباب مفتوحًا أمام الدبلوماسية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على أوراق ضغطها وعدم تقديم تنازلات مسبقة قبل الحصول على ضمانات واضحة.
عراقجي: لن ننسى دماء الضحايا
وفي كلمة ألقاها خلال مراسم حملت عنوان «محرم وعاشوراء في مرآة وثائق وزارة الخارجية»، شدد عراقجي على أن إيران لن تنسى الضحايا الذين سقطوا خلال الحرب.
وقال إن إيران تعرضت لهجوم وصفه بأنه «جائر وجبان» من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا من الإيرانيين استشهدوا خلال المواجهات.
وأضاف أن إيران «تقف بثبات في وجه عاصفة من الظلم واللاإنسانية»، مؤكدًا استمرار الالتزام الذي قطعته بلاده تجاه المرشد الإيراني الراحل آية الله السيد علي خامنئي.
وشدد عراقجي على أن طهران لن تسمح بأن تُنسى الدماء التي أُريقت خلال الحرب، قائلًا إن بلاده «لن تنسى ولن تغفر».
وتأتي تصريحات وزير الخارجية الإيراني في وقت تواصل فيه دول وسيطة تحركاتها لمنع عودة المواجهة العسكرية، بينما تبقى الخلافات بين طهران وواشنطن بشأن تنفيذ التفاهمات السابقة ومستقبل العلاقات الثنائية ومضيق هرمز عقبات رئيسية أمام استئناف أي مفاوضات مباشرة.










