خدمة حاويات منتظمة تربط ميناء نينغبو الصيني بالمملكة المتحدة عبر روسيا والممر الشمالي الشرقي، في خطوة قد تقلص زمن الرحلات وتمنح بكين بديلاً عن ممرات بحرية تعاني مخاطر أمنية متزايدة.
بكين – المنشر_الاخباري
تبدأ الصين تشغيل أول خدمة منتظمة لنقل الحاويات عبر القطب الشمالي، في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام بالممرات البحرية الجديدة التي أتاحها تراجع الجليد في المنطقة، وتفتح أمام التجارة الصينية طريقاً بديلاً نحو أوروبا عبر روسيا.
وبحسب تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز»، تربط خدمة «طريق الحرير الجليدي» بين ميناء نينغبو الصيني والمملكة المتحدة، مروراً بالممر البحري الشمالي التابع لروسيا، في مسار قد يغير جزئياً خريطة التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا.
ويُنظر إلى الممر الشمالي، الذي يمتد بمحاذاة الساحل الروسي في القطب الشمالي، باعتباره خياراً أقصر من المسارات التقليدية التي تعتمد عليها السفن بين الموانئ الآسيوية والأوروبية.
وقد يؤدي استخدام هذا المسار إلى خفض زمن الرحلة المعتاد، الذي قد يصل إلى نحو 40 يوماً، إلى ما يقارب النصف في الظروف المناسبة، ما يمنح شركات الشحن ميزة مهمة في الوقت والتكاليف.
وتكتسب الخطوة الصينية أهمية أكبر في ظل استمرار المخاطر الأمنية التي تواجه عدداً من طرق التجارة العالمية، ولا سيما في منطقة البحر الأحمر، حيث دفعت التوترات الأمنية خلال السنوات الأخيرة شركات شحن إلى تغيير مساراتها أو اتخاذ طرق أطول لتجنب المناطق عالية المخاطر.
وبالتالي، لا تقدم الصين «طريق الحرير الجليدي» باعتباره مجرد اختصار جغرافي، بل يأتي المسار ضمن توجه أوسع لتنويع طرق التجارة وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية التقليدية.
ومن أبرز ما يدفع باتجاه الممر القطبي التغيرات المناخية التي أدت إلى تراجع الغطاء الجليدي خلال فترات من العام، ما جعل الإبحار في أجزاء من الممر الشمالي أكثر قابلية للتنفيذ مقارنة بالعقود السابقة.
لكن فتح هذا الطريق أمام خدمة تجارية منتظمة لا يعني أن الممر أصبح بديلاً سهلاً أو خالياً من المخاطر.
فالمسار يمر في بيئة بحرية شديدة القسوة، حيث درجات الحرارة المنخفضة والجليد المتغير والظروف الجوية الصعبة يمكن أن تؤثر على حركة السفن وسلامة العمليات اللوجستية.
كما تمثل سيطرة روسيا على أجزاء واسعة من الممر عاملاً جيوسياسياً مهماً، إذ تعتمد حركة الملاحة في المنطقة على البنية التحتية والخدمات والتنسيق الذي توفره موسكو.
ويضاف إلى ذلك محدودية قدرات الإنقاذ والطوارئ مقارنة بالممرات البحرية التقليدية ذات الكثافة العالية، وهو ما يجعل أي حادث في المناطق القطبية أكثر تعقيداً من حيث الاستجابة والإجلاء والإصلاح.
وتبرز كذلك المخاوف البيئية باعتبارها أحد أكبر التحديات أمام التوسع في استخدام الممر الشمالي، إذ إن النظام البيئي في القطب الشمالي شديد الحساسية، وأي زيادة في حركة السفن قد ترفع مخاطر التلوث والحوادث وتأثيرات انبعاثات السفن على المنطقة.
ومع ذلك، فإن بدء خدمة حاويات منتظمة يمثل مؤشراً على انتقال الممر الشمالي من كونه مساراً تجريبياً أو موسمياً إلى عنصر يمكن أن يدخل تدريجياً في حسابات قطاع النقل البحري العالمي.
وتنظر الصين إلى تطوير طرق بحرية بديلة ضمن استراتيجيتها الأوسع لتنويع سلاسل الإمداد وتعزيز الروابط التجارية مع أوروبا، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن تعرض التجارة العالمية لاضطرابات ناجمة عن الصراعات والأزمات الجيوسياسية.
ويمثل الطريق الجديد أيضاً تطوراً مهماً في العلاقة الاقتصادية بين الصين وروسيا، إذ يوفر التعاون في الممر الشمالي مجالاً إضافياً لتعزيز الروابط التجارية واللوجستية بين البلدين.
وبالنسبة إلى أوروبا، قد يثير توسع النقل عبر القطب الشمالي نقاشات حول الاعتماد المتزايد على مسارات تمر عبر الأراضي والمياه الخاضعة لنفوذ روسي، خصوصاً في ظل التوترات السياسية القائمة بين موسكو وعدد من العواصم الأوروبية.
كما أن الجدوى الاقتصادية للممر ستظل مرتبطة بعوامل موسمية وتقنية، بما في ذلك حالة الجليد، وتكاليف التأمين، وتوافر كاسحات الجليد والخدمات اللوجستية، ومدى قدرة شركات النقل على الالتزام بمواعيد ثابتة.
ورغم هذه العقبات، تشير الخطوة الصينية إلى أن التحولات المناخية والجيوسياسية بدأت تدفع شركات ودولاً إلى إعادة النظر في طرق التجارة العالمية التقليدية.
فإذا تمكن «طريق الحرير الجليدي» من إثبات قدرته على تقديم رحلات أسرع وأكثر انتظاماً، فقد يتحول تدريجياً إلى مسار تجاري مهم بين آسيا وأوروبا، ويمنح الصين وروسيا موقعاً أكبر في شبكة النقل البحري القطبية.
وفي المقابل، فإن نجاح المشروع على المدى الطويل سيعتمد على قدرة الأطراف المعنية على معالجة تحديات الأمن والسلامة والبيئة والبنية التحتية، إضافة إلى التطورات السياسية التي قد تؤثر في حركة الملاحة عبر الممر الروسي.
وبذلك، لا يمثل إطلاق الخدمة الجديدة مجرد اختصار في زمن الرحلة بين الصين وأوروبا، بل يعكس بداية اختبار عملي لممر بحري قد يكتسب أهمية متزايدة مع استمرار تغير المناخ وتصاعد المخاطر في بعض الطرق التجارية التقليدية.










