انتقادات لمسار المحادثات في وقت تتواصل فيه العمليات الإسرائيلية وتتعقد ملفات الانسحاب والسلاح
بيروت – المنشر_الاخباري
رفض نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، الشيخ علي الخطيب، المفاوضات المباشرة بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل، معتبراً أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان يجعل هذا المسار غير قادر، من وجهة نظره، على تحقيق الأمن أو ضمان عودة سكان المناطق الحدودية إلى منازلهم.
وجاءت تصريحات الخطيب في وقت تشهد فيه الساحة اللبنانية نقاشاً متصاعداً حول جدوى الحوار مع إسرائيل، بالتزامن مع استمرار التوتر الميداني في الجنوب ومساعي الحكومة اللبنانية لمعالجة ملفات الحدود والوجود العسكري الإسرائيلي والأسرى، إلى جانب الخلاف الأكثر حساسية المتعلق بسلاح حزب الله.
وقال الخطيب إن أي اتفاق مع إسرائيل لا يمكن أن يكون ذا جدوى إذا لم يترافق مع انسحاب واضح من الأراضي اللبنانية ووقف فعلي للعمليات العسكرية. وحذر من أن تقديم تنازلات أمنية أو سياسية من دون ضمانات مقابلة قد يترك لبنان أمام واقع جديد لا يحقق الهدف المعلن من المفاوضات، وهو تثبيت الاستقرار وتمكين سكان الجنوب من العودة.
وتأتي هذه المواقف بعد جولة من المحادثات اللبنانية الإسرائيلية التي استضافتها العاصمة الإيطالية روما برعاية أمريكية، حيث بحث الجانبان ملفات مرتبطة بإطار تفاوضي يشمل قضايا الحدود والأسرى والترتيبات الأمنية ومستقبل الانتشار العسكري في المناطق الجنوبية.
وكانت السلطات اللبنانية قد تحدثت عن إحراز تقدم في بعض الملفات، إلا أن القضايا المرتبطة بالانسحاب الإسرائيلي ومستقبل سلاح حزب الله لا تزال تمثل نقاط خلاف رئيسية تهدد بإبطاء أي تفاهم شامل.
ويرى الخطيب أن التجربة اللبنانية مع الاتفاقات والقرارات الدولية السابقة لا توفر، بحسب موقفه، ضمانة كافية لتنفيذ الالتزامات الإسرائيلية. واستشهد بقرار مجلس الأمن الدولي 1701، الذي شكّل أساساً لوقف الحرب بين إسرائيل وحزب الله عام 2006، معتبراً أن استمرار العمليات الإسرائيلية بعد صدور القرار يعكس صعوبة تحويل القرارات السياسية إلى واقع ميداني مستقر من دون آليات تنفيذ وضمانات أكثر فاعلية.
وتزامنت تصريحاته مع تقارير عن استمرار النشاط العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان، بما في ذلك القصف المدفعي وعمليات التوغل والتفجير في عدد من المناطق، وهو ما يزيد الضغط على الحكومة اللبنانية ويضع المسار التفاوضي أمام اختبار ميداني متواصل.
وتتمثل إحدى أبرز المعضلات أمام المفاوضات في اختلاف الأولويات بين الطرفين. فبيروت تسعى إلى إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية وتهيئة الظروف أمام عودة السكان وإعادة إعمار المناطق المتضررة، بينما تركز إسرائيل على ضمانات أمنية مرتبطة بمنع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله بالقرب من الحدود.
ويجعل هذا التباين ملف السلاح محوراً أساسياً في أي تسوية محتملة. فبينما ترى إسرائيل أن إنهاء التهديد العسكري يتطلب معالجة قدرة حزب الله على الاحتفاظ بسلاح مستقل عن الدولة، تعتبر قوى لبنانية أن معالجة الوضع الأمني يجب أن تبدأ أولاً بإنهاء الاحتلال والعمليات العسكرية الإسرائيلية.
وفي هذا السياق، حذر الخطيب من أن ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله قد يؤدي إلى إطالة أمد الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب، وهو ما يرفضه بشدة. كما انتقد محاولات بعض القوى السياسية اللبنانية دفع البلاد باتجاه ترتيبات أمنية جديدة مع إسرائيل، معتبراً أن الأولوية يجب أن تكون لحماية السيادة اللبنانية وحقوق السكان في المناطق الجنوبية.
وتعكس مواقف الخطيب انقساماً أوسع داخل لبنان بشأن طبيعة المرحلة المقبلة. فالحكومة اللبنانية تواجه ضغوطاً داخلية وخارجية للدخول في ترتيبات يمكن أن تؤدي إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتعزيز دور مؤسسات الدولة في الجنوب، في حين تخشى قوى سياسية أخرى أن تتحول المفاوضات إلى مسار تدريجي لتقديم تنازلات من دون الحصول على التزامات إسرائيلية واضحة بشأن الانسحاب.
كما أن استمرار العمليات العسكرية يضعف فرص بناء الثقة بين الطرفين. فكل حادث ميداني جديد يمكن أن يعزز موقف الرافضين للمفاوضات ويجعل الرأي العام اللبناني أكثر تشككاً في إمكانية التوصل إلى تسوية مستقرة، بينما تحتاج أي مفاوضات ناجحة إلى مستوى من الهدوء يسمح بتنفيذ التفاهمات على الأرض.
ويرى مراقبون أن نجاح المسار الدبلوماسي، في حال استمر، سيتوقف على قدرة الأطراف على الفصل بين الملفات المتداخلة ووضع جدول واضح لتنفيذ الالتزامات. ويشمل ذلك تحديد آلية للانسحاب الإسرائيلي، وضمان وقف العمليات العسكرية، وتنظيم الانتشار الأمني للجيش اللبناني، ومعالجة ملف الأسرى، إلى جانب التوصل إلى صيغة نهائية بشأن السلاح والجهات المخولة بحمل القوة العسكرية داخل الأراضي اللبنانية.
ويظل ملف جنوب لبنان الأكثر حساسية في هذه المعادلة، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأمن الحدود وبمئات الآلاف من السكان الذين تضررت مناطقهم خلال العمليات العسكرية. وأي تأخير في تثبيت ترتيبات واضحة قد يعني استمرار حالة عدم الاستقرار وإبقاء أجزاء من الجنوب تحت ضغط أمني وسياسي متواصل.
وفي المقابل، فإن رفض التفاوض بصورة مطلقة قد يحرم لبنان من إحدى الأدوات المتاحة لمعالجة ملفات الحدود والانسحاب والأسرى، وهو ما يجعل الحكومة أمام معادلة شديدة التعقيد: التفاوض من أجل تحقيق مكاسب ملموسة، مع تجنب الدخول في اتفاق لا يتضمن ضمانات واضحة وقابلة للتنفيذ.
وتأتي تصريحات الخطيب في هذا الإطار لتؤكد أن ملف التفاوض مع إسرائيل لا يزال بعيداً عن تحقيق توافق لبناني داخلي. فبينما ترى الحكومة في الحوار وسيلة محتملة لخفض التصعيد وإعادة ترتيب الوضع في الجنوب، تعتبر أطراف سياسية ودينية أن أي تفاوض في ظل استمرار العمليات الإسرائيلية قد يضع لبنان في موقع تفاوضي ضعيف.
ومع استمرار الضغوط الميدانية والسياسية، ستبقى قدرة بيروت على تحقيق تقدم في المحادثات مرتبطة بمدى استعداد إسرائيل لتقديم خطوات ملموسة على الأرض، وبمدى قدرة الوسطاء الدوليين على صياغة آلية تضمن تنفيذ الالتزامات المتبادلة.
وفي النهاية، فإن الاختبار الحقيقي لأي تفاهم لن يكون في البيانات السياسية أو التصريحات المتبادلة، بل في ما سيحدث على الأرض: هل تنسحب القوات الإسرائيلية من المناطق اللبنانية؟ هل يتوقف القصف والتوغلات؟ وهل تتمكن الدولة اللبنانية من بسط ترتيبات أمنية مستقرة تسمح للسكان بالعودة؟
هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت المحادثات الحالية ستتحول إلى مسار فعلي لتثبيت الهدوء في جنوب لبنان، أم ستبقى جولة أخرى في مفاوضات طويلة تعيد إنتاج الخلافات نفسها.










