تسجيلات سرية وواجهات وهمية وشبهات حول دور شركة استخبارات خاصة قبل انتخابات حاسمة
لندن – المنشر_الاخباري
هزّت الانتخابات البرلمانية السلوفينية التي جرت في مارس/آذار 2026 فضيحة استخباراتية وسياسية، بعدما اتهمت السلطات السلوفينية وشخصيات سياسية جهات خارجية بمحاولة التأثير في مسار الاقتراع عبر حملة سرية اعتمدت على تسجيلات خفية وواجهات تجارية وهمية.
وتتركز الاتهامات حول شركة «بلاك كيوب» الإسرائيلية الخاصة، التي تضم في صفوفها مسؤولين سابقين في أجهزة الاستخبارات والأمن الإسرائيلية، وسط تقارير عن زيارة مسؤولين مرتبطين بها إلى سلوفينيا قبل الانتخابات، وظهور تسجيلات محرجة لشخصيات سياسية في توقيت شديد الحساسية.
وتأتي القضية في وقت كانت فيه الانتخابات تشهد منافسة متقاربة للغاية بين حركة الحرية الليبرالية التي يقودها رئيس الوزراء روبرت غولوب، والحزب الديمقراطي السلوفيني اليميني بزعامة رئيس الوزراء الأسبق يانيز يانشا. وأكدت تقارير انتخابية مستقلة أن المنافسة كانت متقاربة إلى حد كبير، فيما حذرت السلطات السلوفينية من تداعيات ما وصفته بتدخل أجنبي محتمل في العملية الديمقراطية.
من أين بدأت القضية؟
قبل الانتخابات المقررة في 22 مارس/آذار، ظهرت تسجيلات مصورة على الإنترنت تتضمن اجتماعات لشخصيات سلوفينية، وقدمت على أنها تكشف تورط مسؤولين وشخصيات سياسية في ممارسات فساد أو ترتيبات مشبوهة.
وكانت المواد مرتبطة بموقع إلكتروني حمل اسمًا يوحي بأنه منصة لمكافحة الفساد، بينما أشارت تقارير إلى أن جهة استثمارية بريطانية باسم «Stockard Capital» استُخدمت كواجهة لاستدراج بعض الشخصيات إلى اجتماعات جرى تصويرها سرًا.
وأثار توقيت نشر التسجيلات علامات استفهام كبيرة، إذ ظهرت قبل أيام قليلة من الاقتراع، في وقت كانت فيه المنافسة الانتخابية في أشد مراحلها حساسية.
ووفق تحقيقات وتقارير إعلامية سلوفينية، ظهرت مؤشرات على ارتباط العملية بأساليب سبق أن استخدمتها شركة «بلاك كيوب» في عمليات استخباراتية خاصة، فيما أكدت وكالة الاستخبارات السلوفينية وجود تحركات مرتبطة بالشركة داخل البلاد، واعتبرت السلطات أن القضية تستحق التحقيق باعتبارها شبهة تدخل أجنبي في الانتخابات.
لماذا أصبحت «بلاك كيوب» محور الاتهامات؟
«بلاك كيوب» شركة استخبارات خاصة إسرائيلية أسسها مسؤولون سابقون في أجهزة أمنية واستخباراتية إسرائيلية، وتعمل في مجالات جمع المعلومات والتحقيقات الخاصة.
وتقول الشركة إنها تعمل وفق القانون وتنفي الاتهامات الموجهة إليها بشأن التدخل السياسي. وفي تصريحات نقلتها وكالة أسوشيتد برس، أكدت الشركة أن مكافحة الفساد والاحتيال جزء من نشاطها، وأنها تواصل العمل في القضايا التي تتولاها حول العالم.
لكن القضية السلوفينية اكتسبت بعدًا أكثر خطورة بعدما أفادت تقارير بأن مسؤولين من الشركة زاروا ليوبليانا قبل الانتخابات، في وقت كانت فيه الحكومة السلوفينية تتبنى مواقف شديدة الانتقاد لإسرائيل.
كما أشار تقرير لصحيفة «هآرتس» إلى زيارات لمسؤولين من الشركة إلى سلوفينيا، بينهم دان زوريلا وغيورا إيلاند، قبل أشهر من ظهور حملة التسجيلات السرية.
وكان رئيس الوزراء غولوب قد اتهم جهات خارجية بمحاولة التأثير في الانتخابات، فيما نفت المعارضة بزعامة يانشا اتهامات التعاون مع «بلاك كيوب». كما طلبت الحكومة السلوفينية من الاتحاد الأوروبي النظر في القضية والتحقيق في شبهة التدخل الأجنبي.
موقف سلوفينيا من إسرائيل في قلب الأزمة
لا يمكن فصل الجدل حول الانتخابات عن التحول الكبير الذي شهدته السياسة الخارجية السلوفينية تجاه الحرب في غزة.
فحكومة روبرت غولوب تبنت موقفًا مؤيدًا للفلسطينيين، واعترفت بالدولة الفلسطينية، كما فرضت سلوفينيا حظرًا على تجارة الأسلحة مع إسرائيل في عام 2025، لتصبح من أكثر الدول الأوروبية تشددًا في هذا الملف.
كما اتخذت الحكومة إجراءات ضد مسؤولين إسرائيليين، وفرضت قيودًا على دخول شخصيات إسرائيلية، في ظل انتقادات متصاعدة للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
وبالتالي، لم تكن الانتخابات مجرد منافسة داخلية على إدارة الاقتصاد والسياسة الاجتماعية، بل حملت أيضًا سؤالًا حول الاتجاه الذي ستسلكه سلوفينيا في سياستها الخارجية: هل تستمر في تبني موقف أوروبي أكثر تشددًا تجاه إسرائيل، أم تعود إلى سياسة أكثر قربًا من تل أبيب؟
انتخابات متقاربة ونتيجة لم تحسم السلطة
ورغم الضجة التي أحاطت بالحملة الانتخابية، لم تحقق أي من القوتين الرئيسيتين أغلبية تمكنهما من تشكيل حكومة منفردة.
وأظهرت النتائج تقاربًا تاريخيًا بين حركة الحرية وحزب يانشا، مع حصول حركة غولوب على 29 مقعدًا مقابل 28 مقعدًا لحزب يانشا في البرلمان المؤلف من 90 مقعدًا. لكن هذه النتيجة لم تمنح غولوب القدرة على تشكيل حكومة جديدة، وبدأت مفاوضات ائتلافية معقدة انتهت لاحقًا بفشل محاولاته في تشكيل حكومة، ما فتح الطريق أمام انتقال السلطة إلى ائتلاف يميني.
تحول سياسي سريع بعد تغيير الحكومة
بعد انتقال السلطة، بدأت مؤشرات على تغيير واضح في السياسة الخارجية السلوفينية تجاه إسرائيل.
وتحدثت تقارير عن إزالة العلم الفلسطيني من مبنى الحكومة، في خطوة رمزية لافتة، بالتزامن مع إعلان إسرائيل توجهها نحو فتح سفارة في ليوبليانا، وهو ما عُد مؤشرًا على بداية مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين.
كما ظهرت إشارات إلى مراجعة السياسات السابقة المتعلقة بإسرائيل، بما في ذلك القيود على التعاون العسكري والدبلوماسي.
هذا التحول السريع زاد من حساسية الاتهامات التي سبقت الانتخابات، لكنه لا يثبت في حد ذاته أن تغيير الحكومة كان نتيجة مباشرة للحملة الاستخباراتية المزعومة. فالمنافسة الانتخابية كانت حقيقية، والنتيجة جاءت متقاربة للغاية، كما أن تشكيل الحكومة احتاج إلى مفاوضات وتحالفات بين عدة قوى سياسية.
معركة أوسع حول أمن الديمقراطيات الأوروبية
القضية السلوفينية تتجاوز حدود الخلاف بين غولوب ويانشا، لأنها تفتح نقاشًا أوسع حول قدرة الشركات الاستخباراتية الخاصة على التأثير في الانتخابات الديمقراطية.
فأساليب مثل انتحال هويات تجارية، واستدراج سياسيين ورجال أعمال، والتسجيل السري، ثم نشر مواد منتقاة عبر مواقع إلكترونية ومنصات التواصل، يمكن أن تصبح أدوات شديدة التأثير في الحملات الانتخابية الحديثة.
والأكثر خطورة أن مثل هذه العمليات لا تحتاج بالضرورة إلى تغيير عدد كبير من أصوات الناخبين. يكفي أحيانًا إحداث صدمة إعلامية في الأيام الأخيرة للحملة، أو تشويه صورة حزب أو مرشح، أو دفع الناخبين المترددين إلى تغيير موقفهم.
ولهذا اعتبرت السلطات السلوفينية القضية مسألة تتعلق بالأمن القومي والسيادة، وليس مجرد فضيحة سياسية عابرة. وقد أعلنت وكالة الاستخبارات السلوفينية أن المواد المتعلقة بأنشطة «بلاك كيوب» ستُسلّم إلى الشرطة والنيابة العامة للتحقيق.
ما الذي يبقى مجهولًا؟
رغم خطورة الاتهامات، لا تزال هناك أسئلة أساسية تحتاج إلى إجابات رسمية وقضائية.
هل عملت «بلاك كيوب» فعلًا لصالح طرف سياسي أو جهة حكومية؟ ومن موّل عملية التسجيلات؟ وهل كانت المواد المنشورة أصلية بالكامل أم جرى انتقاؤها أو تحريرها بطريقة تغير سياقها؟ وهل أثرت الحملة بالفعل في نتيجة الانتخابات؟
والأهم: هل كان التحول اللاحق في سياسة سلوفينيا تجاه إسرائيل نتيجة طبيعية لتغير التوازن السياسي، أم أن الحملة السرية لعبت دورًا في خلق الظروف التي سمحت بهذا التحول؟
حتى الآن، لا توجد أدلة منشورة تثبت بصورة قاطعة أن العملية المزعومة هي التي حسمت الانتخابات أو أنها كانت بتوجيه مباشر من الحكومة الإسرائيلية. لكن المؤكد أن القضية كشفت عن هشاشة متزايدة تواجهها الديمقراطيات الأوروبية أمام أشكال جديدة من التدخل السياسي، خصوصًا عندما تتداخل الاستخبارات الخاصة مع الحملات الانتخابية والحرب الإعلامية.
وفي حالة سلوفينيا، أصبحت الانتخابات التي كان يفترض أن تحسم مستقبل البلاد الداخلي اختبارًا أكبر يتعلق بقدرة دولة أوروبية صغيرة على حماية قرارها السياسي من التأثيرات الخارجية، وبقدرة مؤسسات الاتحاد الأوروبي على التعامل مع أي تدخل محتمل يستهدف إحدى دوله الأعضاء.
والسؤال الذي سيبقى مطروحًا هو ما إذا كانت التحقيقات ستتمكن من تحديد من يقف خلف هذه العملية، ومن مولها، وما إذا كانت التسجيلات والتسريبات جزءًا من حملة منظمة لتغيير المشهد السياسي السلوفيني أم مجرد عملية استخباراتية خاصة خرجت إلى العلن في أكثر اللحظات حساسية.










