الجيش السوداني يعلن التصدي للهجوم.. اتهامات بنهب السوق وإطلاق النار على المدنيين، والخرطوم تتهم إثيوبيا بتسهيل تحركات المقاتلين
قيسان – السودان، المنشر_الاخباري:
شهدت منطقة النيل الأزرق في جنوب شرقي السودان تصعيدًا عسكريًا جديدًا، بعدما شن تحالف يضم قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان – الشمال هجومًا واسعًا على مدينة قيسان الحدودية، وفق مسؤولين محليين.
وقالت السلطات المحلية في محلية قيسان إن القوات المسلحة السودانية والقوات المتحالفة معها خاضت اشتباكات عنيفة في محاولة لصد الهجوم الذي استهدف مقر المحلية.
ويأتي التصعيد في منطقة النيل الأزرق في وقت تشهد فيه الحرب السودانية توسعًا في عدد من الجبهات، بينما أصبحت المناطق الحدودية ذات أهمية متزايدة بالنسبة إلى أطراف الصراع، سواء من الناحية العسكرية أو بسبب خطوط الإمداد والتحرك عبر الحدود.
اشتباكات عنيفة حول مقر المحلية
وبحسب المسؤولين المحليين، بدأ الهجوم خلال ساعات الصباح، واستهدف بصورة مباشرة مركز قيسان، ما دفع القوات الحكومية والقوات المتحالفة معها إلى الدخول في مواجهات عنيفة مع المهاجمين.
وتقول الإدارة المحلية إن القوات المسلحة السودانية واصلت الدفاع عن المدينة ومحاولة منع القوات المهاجمة من تثبيت مواقعها داخلها.
وتكتسب قيسان أهمية بسبب موقعها في النيل الأزرق وقربها من الحدود الإثيوبية، وهو ما يجعل أي تقدم عسكري فيها ذا أبعاد تتجاوز حدود المدينة نفسها.
فالسيطرة على البلدات الحدودية لا تعني فقط السيطرة على مناطق سكنية، وإنما يمكن أن توفر للطرف المسيطر قدرة أكبر على الحركة وفتح طرق للإمداد والتواصل مع مناطق أخرى.
تقارير عن وصول مقاتلين إلى السوق
وفي تطور يزيد من خطورة الهجوم، قالت وسائل إعلام محلية إن مقاتلين من قوات الدعم السريع وصلوا إلى السوق الرئيسي في قيسان.
وبحسب هذه التقارير، تعرضت متاجر للنهب، فيما أُطلق النار على مدنيين خلال حالة الفوضى التي رافقت الاشتباكات.
ولم تتوافر، في المعلومات التي أوردها المصدر، حصيلة مستقلة ودقيقة لأعداد القتلى أو المصابين بين المدنيين.
كما لم يتسن التحقق بشكل مستقل من جميع تفاصيل ما جرى داخل السوق، في ظل صعوبة الوصول إلى مناطق القتال والتحقق الميداني من الروايات المتضاربة التي تصدر عادة خلال العمليات العسكرية.
اتهامات بارتكاب جرائم حرب
وأدان المكتب الإعلامي لمحلية قيسان الهجوم، ووصفه بأنه استهداف متعمد للمدنيين في فترة موسم الزراعة.
وقالت الإدارة المحلية إن استهداف المزارعين أثناء عملهم في الحقول يمثل، بحسب وصفها، جريمة حرب مكتملة الأركان.
وتحمل هذه الاتهامات أهمية خاصة في منطقة يعتمد سكانها بصورة كبيرة على الزراعة، حيث يمكن أن يؤدي استمرار القتال خلال موسم الزراعة إلى آثار طويلة المدى على الأمن الغذائي للسكان المحليين.
فالضرر لا يتوقف عند الخسائر المباشرة الناجمة عن المعارك، بل يمكن أن يمتد إلى تدمير المحاصيل وتعطيل الزراعة ومنع السكان من الوصول إلى أراضيهم.
وهذا بدوره قد يزيد من الاعتماد على المساعدات الإنسانية ويضاعف الضغوط على المجتمعات التي تعاني أصلًا من آثار الحرب.
تحالف جديد يغير خريطة القتال
ويبرز في هجوم قيسان عامل مهم يتمثل في مشاركة قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان – الشمال في تحالف عسكري واحد.
ويعكس ذلك طبيعة الصراع المتغيرة في السودان، حيث لم تعد المواجهة محصورة بصورة بسيطة بين الجيش والدعم السريع فقط، وإنما باتت تتداخل معها قوى مسلحة وتحالفات محلية وإقليمية متعددة.
ووفق المصدر، شاركت في الهجوم قوات مرتبطة بجوزيف توكا، وهو قائد بارز في الحركة الشعبية لتحرير السودان – الشمال.
ويعني هذا التطور أن منطقة النيل الأزرق قد تتحول مجددًا إلى ساحة رئيسية في الحرب، خصوصًا مع وجود تاريخ طويل للصراع المسلح في هذه المنطقة.
لماذا النيل الأزرق مهم؟
تتمتع ولاية النيل الأزرق بموقع استراتيجي شديد الحساسية.
فهي تقع في جنوب شرقي السودان بالقرب من الحدود الإثيوبية، كما ترتبط جغرافيًا بمناطق كانت تاريخيًا مسرحًا للنزاعات المسلحة بين الحكومة السودانية والحركات المتمردة.
وبالتالي، فإن القتال فيها يحمل أهمية عسكرية بسبب موقعها الحدودي، إضافة إلى أهميتها السياسية بالنسبة إلى الجماعات المسلحة التي تنشط في المناطق الجنوبية والجنوبية الشرقية من البلاد.
كما أن المنطقة ترتبط بطرق عبور وحركة سكانية وتجارية يمكن أن تتأثر بصورة كبيرة في حال استمرار المعارك.
اتهامات سودانية لإثيوبيا
وفي سياق التصعيد، وجهت السلطات السودانية اتهامات إلى إثيوبيا بتسهيل تحركات مقاتلين عبر الحدود إلى النيل الأزرق، إضافة إلى اتهامها باستضافة معسكرات تجنيد مرتبطة بقوات الدعم السريع.
لكن أديس أبابا نفت في السابق هذه الاتهامات.
وتضيف هذه النقطة بعدًا إقليميًا إلى المعارك الجارية في قيسان، إذ إن أي اتهامات تتعلق باستخدام أراضي دولة مجاورة في دعم طرف من أطراف الحرب يمكن أن ترفع مستوى التوتر بين الخرطوم وأديس أبابا.
كما أن الحدود السودانية الإثيوبية تمثل منطقة شديدة الحساسية، خصوصًا في ظل وجود ملفات أخرى عالقة بين البلدين تتعلق بالأمن والحدود والمياه والمصالح الاقتصادية.
ومن المهم التأكيد أن الاتهامات المتعلقة بالدعم أو تسهيل حركة المقاتلين لا تزال محل خلاف بين الأطراف، ولم يقدم المصدر الذي أرسلته دليلًا مستقلًا يحسمها.
الجيش استعاد الكرمك في يونيو
ويأتي هجوم قيسان بعد تطور عسكري مهم في المنطقة خلال يونيو الماضي.
فقد تمكن الجيش السوداني من استعادة السيطرة على مدينة الكرمك الحدودية من تحالف قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان – الشمال، بعد اندلاع معارك في المنطقة في وقت سابق من العام.
وكانت الكرمك تمثل إحدى النقاط المهمة في المعارك حول النيل الأزرق، وبالتالي فإن محاولة مهاجمة قيسان قد تعكس استمرار الصراع على البلدات والممرات الحدودية في المنطقة.
وتشير التطورات المتتابعة إلى أن السيطرة على هذه المناطق لا تزال غير مستقرة، وأن تغير ميزان القوى في مدينة أو منطقة يمكن أن يؤدي إلى هجمات مضادة ومحاولات لاستعادة المواقع.
تاريخ طويل من الحرب
ولا يمكن فهم أهمية قيسان والكرمك من دون العودة إلى التاريخ الطويل للنزاع في هذه المنطقة.
فكل من الكرمك وقيسان كانتا من أبرز ساحات القتال خلال أكثر من عقدين من الصراع بين الحكومة المركزية في الخرطوم والحركات المسلحة في الجنوب والمناطق الحدودية.
واستمر هذا الصراع حتى توقيع اتفاق السلام عام 2005، الذي مهد لاحقًا لاستقلال جنوب السودان.
لكن انتهاء الحرب القديمة لم ينهِ جميع أسباب الصراع في المناطق الحدودية.
ومع اندلاع الحرب الحالية بين الجيش والدعم السريع في أبريل 2023، عادت العديد من المناطق التي شهدت صراعات سابقة إلى واجهة الأحداث.
وهذا يجعل النيل الأزرق منطقة ذات ذاكرة عسكرية وسياسية طويلة، ويزيد من مخاطر تحول القتال الحالي إلى نزاع أكثر تعقيدًا.
المدنيون في قلب الخطر
وتبقى التداعيات الإنسانية هي الجانب الأكثر إثارة للقلق في التصعيد الأخير.
فالتقارير عن وصول القتال إلى السوق الرئيسي وإطلاق النار على المدنيين، إلى جانب الاتهامات المتعلقة بنهب المتاجر، تعكس مدى تعرض السكان لخطر مباشر عندما تقترب المعارك من المناطق المأهولة.
كما أن الهجمات خلال موسم الزراعة قد تهدد مصدر رزق السكان، خصوصًا إذا اضطر المزارعون إلى ترك أراضيهم أو تعذر عليهم الوصول إليها.
وفي حالة استمرار القتال، قد تواجه المنطقة موجة جديدة من النزوح، فضلًا عن نقص الغذاء والدواء وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية.
معركة على الحدود وليست مجرد اشتباك محلي
ورغم أن الهجوم وقع في مدينة محددة، فإن دلالاته العسكرية والسياسية أوسع من حدود قيسان.
فموقع المدينة بالقرب من إثيوبيا يجعلها جزءًا من معادلة أمنية إقليمية، بينما مشاركة أكثر من قوة مسلحة في الهجوم تعكس تعدد الأطراف في الصراع السوداني.
كما أن استمرار المعارك في النيل الأزرق يعني فتح جبهة إضافية في بلد يعاني أصلًا من انتشار القتال في مناطق متعددة.
وهذا يمكن أن يفرض على الجيش السوداني توزيع قواته وموارده على أكثر من محور، في الوقت الذي تحاول فيه قوات الدعم السريع وحلفاؤها استغلال أي نقاط ضعف أو فراغات أمنية.
هل تتوسع المعارك في النيل الأزرق؟
السؤال الأبرز بعد هجوم قيسان هو ما إذا كان التصعيد سيبقى محدودًا داخل محيط المدينة، أم أنه سيمتد إلى بلدات أخرى في النيل الأزرق.
فاستمرار الهجمات المتبادلة قد يؤدي إلى دورة جديدة من السيطرة والهجمات المضادة، خصوصًا إذا تمكن أي طرف من تثبيت خطوط إمداد أو الحصول على مواقع استراتيجية قرب الحدود.
كما أن عودة القتال إلى مناطق شهدت نزاعات طويلة في الماضي قد تجعل الصراع أكثر تعقيدًا، مع إمكانية دخول تحالفات محلية جديدة على خط المواجهة.
لكن من السابق لأوانه الجزم بمسار العمليات المقبلة، خصوصًا مع محدودية المعلومات الميدانية المستقلة.
الخلاصة
شهدت مدينة قيسان في ولاية النيل الأزرق السودانية هجومًا عنيفًا شنته، بحسب السلطات المحلية، قوات الدعم السريع بالتحالف مع الحركة الشعبية لتحرير السودان – الشمال.
وأكدت السلطات أن الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه خاضا اشتباكات عنيفة لصد الهجوم والدفاع عن مقر المحلية.
وفي المقابل، أفادت وسائل إعلام محلية بوصول مقاتلين إلى السوق الرئيسي ونهب متاجر وإطلاق النار على مدنيين، وهي روايات لم يتسن التحقق منها بشكل مستقل.
واتهمت الإدارة المحلية المهاجمين باستهداف المدنيين والمزارعين خلال موسم الزراعة، ووصفت ذلك بأنه جريمة حرب.
وتزامن التصعيد مع اتهامات سودانية لإثيوبيا بتسهيل تحركات مقاتلين عبر الحدود واستضافة معسكرات تجنيد مرتبطة بالدعم السريع، وهي اتهامات سبق أن نفتها أديس أبابا.
ويأتي الهجوم بعد استعادة الجيش السوداني مدينة الكرمك القريبة من الحدود في يونيو من تحالف الدعم السريع والحركة الشعبية.
وتحمل التطورات أهمية خاصة بسبب التاريخ الطويل للمنطقة، إذ كانت قيسان والكرمك من ساحات القتال خلال عقود من النزاع بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة قبل اتفاق السلام عام 2005 الذي مهّد لاستقلال جنوب السودان.
وبينما يستمر القتال، تبقى المخاوف الأكبر مرتبطة بالمدنيين، خصوصًا مع اقتراب المعارك من الأسواق والمناطق السكنية وتزامنها مع موسم الزراعة.
وقد يمثل هجوم قيسان مؤشرًا على أن النيل الأزرق مرشح لأن يصبح واحدة من أكثر جبهات الحرب السودانية حساسية خلال المرحلة المقبلة، لكن حجم التصعيد واتجاهه سيعتمدان على قدرة الجيش على الاحتفاظ بمواقعه، وعلى تحركات قوات الدعم السريع والحركة الشعبية وحجم الإمدادات التي تصل إلى المنطقة.










