دمشق – المنشر_الاخباري
أعلنت هيئة الطاقة الذرية السورية أن وفدًا من الوكالة الدولية للطاقة الذرية سيزور سوريا خلال الأيام المقبلة، بهدف الإعلان عن «تقدم مهم» في ملف المواد النووية، في خطوة تأتي ضمن مساعي السلطات السورية الجديدة لمعالجة إرث الأنشطة النووية التي تعود إلى عهد الرئيس السابق بشار الأسد.
وقالت الهيئة السورية، في بيان صدر في وقت مبكر من الثلاثاء، إن زيارة وفد الوكالة ستتناول ملف المواد النووية، من دون أن تكشف تفاصيل إضافية عن طبيعة التقدم المتوقع الإعلان عنه أو الخطوات التي تم الاتفاق عليها بين الجانبين.
وتأتي هذه التطورات بعد إعلان السلطات السورية الجديدة التزامها بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والأمم المتحدة من أجل معالجة الملفات المرتبطة بالأنشطة النووية السابقة، وتوضيح مصير المواد والمواقع التي أثارت على مدى سنوات تساؤلات دولية.
دمشق تتحدث عن تقدم في التعاون مع الوكالة الدولية
وقال مسؤول سوري مطلع على الملف لوكالة «رويترز» إن المشاورات مع الوكالة الدولية بشأن قضية المواد النووية لا تزال جارية، مشيرًا إلى أن دمشق تعمل مع الوكالة من أجل الوفاء بالتزاماتها الدولية.
وأكد المسؤول أنه «لا دور إسرائيليًا» في هذه العملية، في موقف يعكس رغبة دمشق في التأكيد على أن الملف تتم معالجته عبر القنوات السورية والدولية الرسمية.
وأضاف أن هناك مشاورات بشأن إنشاء مجموعة دعم دولية تتولى تنسيق المساعدة الفنية والقانونية اللازمة لسوريا، بما يمكن أن يساعد في معالجة الملفات المعقدة التي خلفتها الأنشطة النووية السابقة.
وشدد المسؤول في الوقت نفسه على أنه لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن ملف المواد النووية حتى الآن.
ملف نووي يعود إلى عهد الأسد
ويعود أصل القضية إلى سنوات حكم عائلة الأسد، حين أثارت أنشطة سورية سرية مزاعم بشأن وجود برنامج نووي غير معلن.
ورغم أن سوريا لا تُعرف حاليًا بامتلاك مخزونات نووية تشغيلية مخصصة لبرنامج أسلحة نووية، فإن المجتمع الدولي ظل يتابع عن كثب ملف موقع في محافظة دير الزور شرقي البلاد.
وكانت إسرائيل قد قصفت الموقع عام 2007، في عملية قالت لاحقًا إنها استهدفت منشأة يُشتبه في أنها مفاعل نووي سوري.
وبعد سنوات من التحقيق، أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية العثور على آثار لليورانيوم في أحد المواقع المرتبطة بالموقع الذي تعرض للقصف.
وقالت الوكالة في تقرير سابق إن الآثار عُثر عليها في واحد من ثلاثة مواقع لم تُكشف أسماؤها، واعتبرتها مرتبطة وظيفيًا بالموقع محل التحقيق في دير الزور.
وتشكل هذه النتائج أحد أبرز عناصر الملف الذي تحاول الوكالة الدولية استكماله، خصوصًا في ظل الحاجة إلى تحديد مصدر المواد النووية وطبيعة الأنشطة التي كانت تجري في تلك المواقع.
غروسي يريد «وضوحًا كاملًا» بشأن الماضي النووي
وكان المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي قد قال في يونيو إن الوكالة تعتزم، عندما تسمح الظروف، مواصلة العمل في المنطقة من أجل الوصول إلى «وضوح كامل» بشأن الأنشطة النووية السابقة في سوريا.
ويعكس هذا الموقف استمرار اهتمام الوكالة بتحديد ما جرى في المواقع المرتبطة بالبرنامج النووي السوري السابق، إضافة إلى التحقق من المعلومات والمواد التي يمكن أن تساعد في إغلاق الملفات العالقة.
وتحتاج الوكالة إلى تعاون السلطات السورية وإتاحة الوصول إلى المواقع والمعلومات ذات الصلة حتى تتمكن من استكمال تقييمها للملف.
تقارير عن مواد نووية في موقع سري
وتزامنت هذه التطورات مع تقارير إعلامية تحدثت عن ترتيبات لإزالة مواد نووية موجودة في موقع سري داخل سوريا.
وكانت «أكسيوس» قد أفادت، نقلاً عن مسؤولين إسرائيليين وأميركيين، بأن الوكالة الدولية تستعد لإزالة مواد نووية من موقع سري مرتبط ببرنامج سوريا النووي السابق، بعد تفاهمات شاركت فيها الولايات المتحدة وسوريا وإسرائيل.
وبحسب التقارير، فإن هذه الخطوة تهدف إلى منع بقاء المواد في موقع قد يثير مخاوف أمنية في ظل التحولات السياسية التي شهدتها سوريا منذ سقوط نظام الأسد.
لكن دمشق لم تعلن رسميًا حتى الآن تفاصيل بشأن عملية إزالة المواد، فيما أكد المسؤول السوري أن المحادثات المتعلقة بالملف ككل لا تزال مستمرة ولم تصل إلى اتفاق نهائي.
لماذا يحظى الملف بأهمية خاصة؟
ويحظى الملف النووي السوري بأهمية تتجاوز الحدود السورية، نظرًا إلى ارتباطه بالتزامات دمشق تجاه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إضافة إلى حساسية الموقع الجغرافي للمنشآت التي كانت موضع تحقيقات سابقة.
كما أن أي تقدم في هذا الملف قد يشكل اختبارًا مهمًا للعلاقة بين الحكومة السورية الجديدة والمؤسسات الدولية.
وتسعى دمشق منذ التغيير السياسي الذي شهدته البلاد إلى إعادة بناء علاقاتها الدولية، وإظهار استعدادها للتعاون في الملفات التي كانت تمثل مصدر خلاف مع المجتمع الدولي خلال عهد الأسد.
ومن شأن إحراز تقدم ملموس مع الوكالة الدولية أن يمنح السلطات السورية فرصة لإغلاق جزء من إرث النظام السابق، وفتح صفحة جديدة في تعاملها مع المؤسسات الدولية.
لا دور إسرائيليًا، وفق مسؤول سوري
وتكتسب تصريحات المسؤول السوري بشأن عدم وجود دور إسرائيلي أهمية خاصة، في ظل التقارير التي تحدثت عن تفاهمات أميركية إسرائيلية سورية مرتبطة بالموقع والمواد النووية.
فدمشق تؤكد أن تعاونها الحالي مع الوكالة الدولية يأتي في إطار التزاماتها الدولية، وليس نتيجة تدخل إسرائيلي مباشر.
وفي المقابل، تبقى إسرائيل معنية بشكل كبير بالملف، بالنظر إلى أنها سبق أن استهدفت الموقع في دير الزور عام 2007، كما تواصل مراقبة التطورات المرتبطة بالأنشطة النووية السورية السابقة.
مجموعة دعم دولية محتملة
ومن بين المقترحات التي تجري مناقشتها تشكيل مجموعة دعم دولية تساعد سوريا في الجوانب الفنية والقانونية للملف.
وقد يكون لهذه المجموعة دور في توفير الخبراء والمساعدة التقنية، إضافة إلى تسهيل التنسيق بين دمشق والوكالة الدولية والأطراف الدولية المعنية.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه سوريا ملفات عديدة تتطلب تعاونًا دوليًا، فيما تحاول السلطات الجديدة تثبيت مؤسسات الدولة وإعادة بناء علاقاتها الخارجية.
اختبار جديد للحكومة السورية
ويشكل التعامل مع الملف النووي أحد الاختبارات المهمة أمام الحكومة السورية الجديدة، خصوصًا أن القضية مرتبطة بتاريخ طويل من الشكوك والتحقيقات الدولية.
وفي حال تمكنت دمشق من تقديم المعلومات المطلوبة والتعاون الكامل مع الوكالة، فقد يساعد ذلك على تسريع إغلاق الملفات العالقة.
أما استمرار الغموض بشأن بعض المواقع أو المواد، فقد يؤدي إلى إبقاء القضية مفتوحة أمام الوكالة الدولية لفترة أطول.
ماذا بعد؟
من المتوقع أن تكشف زيارة وفد الوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال الأيام المقبلة مزيدًا من التفاصيل حول طبيعة «التقدم المهم» الذي تحدثت عنه هيئة الطاقة الذرية السورية.
وحتى الآن، لا تزال التفاصيل الدقيقة للخطوات المقبلة غير معلنة، فيما تؤكد دمشق أن المشاورات مع الوكالة مستمرة وأنه لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن ملف المواد النووية.
وتبقى القضية مرتبطة بشكل أساسي بجهود الوكالة للوصول إلى صورة واضحة عن الأنشطة النووية السابقة في سوريا، وتحديد طبيعة المواد الموجودة في المواقع المرتبطة بالتحقيقات.
وفي حال أسفرت الزيارة عن نتائج ملموسة، فقد تمثل خطوة مهمة في إنهاء أحد الملفات الأكثر حساسية التي ورثتها السلطات السورية الجديدة عن عهد الأسد، وتعزيز التعاون بين دمشق والمؤسسات الدولية في مرحلة سياسية جديدة.










