لندن – المنشر_الاخباري
أثارت مشاهد لصور المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي وأعلام مرتبطة بالنظام الإيراني جدلًا في بريطانيا، بعد ظهورها بشكل لافت خلال مسيرة الأربعين التي أقيمت في لندن، الأحد، وسط مشاركة عشرات الآلاف.
وأظهرت مئات الصور ومقاطع الفيديو التي راجعتها صحيفة «جيروزاليم بوست» وجود عشرات الملصقات التي تحمل صور خامنئي، إلى جانب مئات الأعلام المرتبطة بالنظام الإيراني، خلال المسيرة التي أقيمت في منطقة ماربل آرتش.
وتأتي هذه المشاهد في وقت تشهد فيه بريطانيا تشددًا متزايدًا تجاه الأنشطة المرتبطة بالحكومة الإيرانية، خصوصًا بعد إدراج الحرس الثوري الإيراني رسميًا ضمن التنظيمات المصنفة في المملكة المتحدة.
35 ألف شخص شاركوا في المسيرة
وتُقام مسيرة الأربعين سنويًا لإحياء ذكرى مرور 40 يومًا على مقتل الإمام الحسين بن علي في معركة كربلاء بالعراق عام 680 ميلاديًا.
وتحظى المناسبة بمشاركة واسعة من المسلمين الشيعة في بريطانيا ودول أخرى، كما تُنظم فعاليات مماثلة في عدد من المدن حول العالم لمن لا يستطيعون الوصول إلى كربلاء.
وقالت الجهة المنظمة للمسيرة، «Hussaini Islamic Trust UK»، إن نحو 35 ألف شخص شاركوا في فعالية الأحد، ووصفتها بأنها أكبر تجمع تشهده المسيرة خلال 46 عامًا من تنظيمها في بريطانيا.
وتقول الجهات المنظمة إن الهدف الأساسي من المسيرة هو إحياء ذكرى الإمام الحسين والتأكيد على قيم مواجهة الظلم والاضطهاد، وهي القيم التي ترتبط بذكرى واقعة كربلاء.
إلا أن ظهور عدد كبير من الرموز المرتبطة بالنظام الإيراني أضفى على المناسبة جانبًا سياسيًا أثار اهتمامًا وانتقادات في بريطانيا.
صور لخامنئي وأعلام إيرانية
وقالت «جيروزاليم بوست» إنها راجعت عددًا كبيرًا من الصور ومقاطع الفيديو المنشورة من المسيرة، ولاحظت وجود ملصقات عديدة تحمل صور خامنئي، إضافة إلى أعلام النظام الإيراني.
وكان من بين أكثر الملصقات إثارة للانتباه ملصق حمل شعار «اختر الجانب الصحيح من التاريخ»، ووضع فوق صورة لخامنئي.
وظهر الملصق في إطار فعالية ذات طابع ديني، إلا أن استخدام صورة المرشد الإيراني أعاد تسليط الضوء على العلاقة بين بعض مظاهر المسيرة وبين النظام السياسي في طهران.
كما أظهرت المقاطع رجلًا يرتدي كوفية تحمل صور ثلاثة من أبرز قادة الجمهورية الإسلامية، وهم مؤسس النظام الإيراني روح الله الخميني، والمرشد السابق علي خامنئي، والمرشد الحالي مجتبى خامنئي.
منظمة إسلامية تحت الرقابة البريطانية
وسلط التقرير الضوء كذلك على «اللجنة الإسلامية لحقوق الإنسان»، التي ظهرت في الفعالية، والتي سبق أن خضعت لتحقيق من جانب «مفوضية الجمعيات الخيرية» البريطانية بسبب مخاوف تتعلق بوجود صلات بينها وبين النظام الإيراني.
وبدأ التحقيق في عام 2017، فيما أصدرت الجهة الرقابية البريطانية تحذيرًا رسميًا في مارس 2023 بعد تحقيق قانوني تناول مزاعم تتعلق بسوء السلوك أو سوء الإدارة.
وبحسب التقرير، لا تزال القضية مفتوحة، ولم يصدر حتى الآن إعلان عن فرض عقوبة أو اتخاذ إجراء تنفيذي نهائي ضد المنظمة.
وتنظم اللجنة كذلك فعالية «يوم القدس» السنوية في بريطانيا، وهي مناسبة تحظى بانتقادات واسعة بسبب الشعارات السياسية التي تظهر خلالها.
تصنيف الحرس الثوري يرفع حساسية القضية
وتأتي المسيرة بعد أسابيع قليلة من خطوة بريطانية مهمة تجاه إيران.
ففي 17 يوليو 2026، أدرجت بريطانيا الحرس الثوري الإيراني رسميًا ضمن التنظيمات المصنفة، في خطوة تعكس تشددًا أكبر تجاه المؤسسة التي تُعد إحدى أبرز ركائز النظام الإيراني.
وبموجب القوانين البريطانية الجديدة المتعلقة بتهديدات الدول الأجنبية، أصبح التعبير عن دعم الحرس الثوري الإيراني جريمة جنائية.
ومن هنا، فإن ظهور صور كبار قادة النظام الإيراني خلال تجمع عام في لندن أثار تساؤلات بشأن ما إذا كانت بعض هذه المظاهر يمكن أن تُفسر باعتبارها دعمًا سياسيًا للمؤسسات المرتبطة بالحرس الثوري.
لكن التقرير لم يشر إلى توجيه اتهامات لأي من المشاركين في المسيرة، كما لم يثبت أن كل من ظهروا في الصور كانوا يؤيدون الحرس الثوري أو شاركوا في نشاط محظور قانونًا.
هل تتحرك الشرطة البريطانية؟
وبحسب «جيروزاليم بوست»، تواصلت الصحيفة مع شرطة العاصمة البريطانية للاستفسار عما إذا كانت السلطات اتخذت أي إجراءات بشأن الشعارات والرموز التي ظهرت خلال المسيرة.
ولم يتضح حتى الآن ما إذا كانت الشرطة فتحت تحقيقًا أو اتخذت إجراءات بحق أي من المشاركين أو الجهات المنظمة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية في ظل القانون البريطاني الجديد، الذي يمنح الحكومة صلاحيات أوسع للتعامل مع المنظمات التي يُعتقد أنها متورطة في أنشطة تهدد الأمن القومي أو ترتبط بقوى أجنبية.
انتقادات سياسية في بريطانيا
وأثارت الصور ردود فعل سياسية حادة.
وكتب عضو البرلمان البريطاني نيك تيموثي، الذي شغل سابقًا منصب وزير العدل في حكومة الظل، تعليقًا على منصة «إكس»، منتقدًا ظهور صور خامنئي وأعلام النظام الإيراني في شوارع لندن.
وقال تيموثي إن المشاهد قد تجعل البعض يعتقد أنه أمام تجمع في طهران وليس في العاصمة البريطانية، منتقدًا ما وصفه بظهور مؤيدين للنظام الإيراني بشكل علني داخل المملكة المتحدة.
وتعكس هذه الانتقادات حساسية سياسية متزايدة تجاه الأنشطة المرتبطة بطهران، خصوصًا في أعقاب تصنيف الحرس الثوري وتزايد المخاوف البريطانية من نفوذ إيران وأنشطتها داخل البلاد.
بين الطابع الديني والرسائل السياسية
وتؤكد مسيرة الأربعين، في الأساس، على إحياء ذكرى الإمام الحسين، ولا يمكن اعتبار جميع المشاركين فيها كتلة سياسية واحدة أو افتراض تبنيهم مواقف النظام الإيراني.
لكن ظهور صور المرشدين الإيرانيين وأعلام النظام بكثافة خلال المسيرة يطرح تساؤلات مختلفة بشأن الجهات التي تقف وراء هذه الرموز والرسائل التي أرادت إيصالها.
ويبرز هنا الفرق بين المشاركة في مناسبة دينية وبين استخدام مناسبة عامة لإظهار التأييد السياسي لحكومة أجنبية أو لمؤسسات تابعة لها.
وهذا الفرق قد يصبح أكثر أهمية في بريطانيا، حيث تتجه السلطات إلى تشديد الرقابة على الأنشطة المرتبطة بالدول الأجنبية والتنظيمات المصنفة.
إيران في قلب النقاش الأمني البريطاني
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف البريطانية بشأن الأنشطة الإيرانية داخل المملكة المتحدة.
وقد اتخذت لندن خلال السنوات الأخيرة خطوات متعددة لمواجهة ما تعتبره تهديدات أمنية مرتبطة بإيران، بما في ذلك أنشطة تستهدف معارضين إيرانيين أو ترتبط بأجهزة أمنية وعسكرية إيرانية.
وفي هذا السياق، فإن أي ظهور علني لشعارات مرتبطة بالقيادة الإيرانية أو الحرس الثوري خلال تجمعات جماهيرية قد يحظى باهتمام أكبر من السلطات البريطانية.
ماذا يعني ذلك لمسيرات لندن المقبلة؟
وقد يكون الجدل الذي أثارته مسيرة الأحد بداية لمزيد من التدقيق في الفعاليات المرتبطة بإيران داخل بريطانيا.
فمن جهة، يتمتع المشاركون في الفعاليات الدينية بحقوق تتعلق بحرية التعبير والتجمع وممارسة الشعائر.
ومن جهة أخرى، فإن القوانين البريطانية الجديدة تفرض قيودًا أشد على دعم التنظيمات المصنفة والأنشطة التي قد تعتبرها السلطات تهديدًا للأمن القومي.
وبالتالي، قد يصبح من الصعب الفصل مستقبلًا بين الطابع الديني لبعض الفعاليات وبين الشعارات السياسية التي تظهر خلالها، خصوصًا إذا ارتبطت هذه الشعارات بشخصيات أو مؤسسات خاضعة لعقوبات أو تصنيفات بريطانية.
الأنظار إلى موقف السلطات
حتى الآن، لم تعلن الشرطة البريطانية عن إجراءات محددة بحق منظمي المسيرة أو المشاركين فيها على خلفية ظهور صور خامنئي وأعلام النظام الإيراني.
كما لا توجد معلومات تفيد بتوجيه اتهامات إلى أشخاص بعينهم بسبب ما ظهر خلال الفعالية.
لكن تزايد الجدل السياسي والإعلامي حول هذه المشاهد قد يدفع السلطات إلى التدقيق أكثر في الفعاليات المقبلة، خصوصًا مع تطبيق القوانين الجديدة المتعلقة بالتهديدات المرتبطة بالدول الأجنبية.
وتبقى مسيرة الأربعين في لندن مناسبة دينية يشارك فيها عشرات الآلاف، إلا أن ظهور الرموز السياسية الإيرانية بهذه الكثافة جعلها أيضًا محورًا لنقاش أوسع حول حدود حرية التعبير، ودعم الأنظمة الأجنبية، وتطبيق قوانين الأمن القومي البريطانية.
وفي ظل تصاعد التوتر بين بريطانيا وإيران، سيكون تعامل السلطات مع مثل هذه الفعاليات خلال الفترة المقبلة مؤشرًا على كيفية تطبيق القوانين الجديدة على الأنشطة العامة التي تحمل رسائل سياسية مرتبطة بطهران.










