ابوجا- المنشر الإخباري
وجود عسكري في منطقة يفترض أن تكون منزوعة السلاح، وخطوة انتخابية جنوب سودانية تفتح جبهة جديدة.. والخرطوم تحذر من تغيير وضع أبيي بالقوة الناعمة والعسكرية
تتجه أزمة أبيي بين السودان وجنوب السودان إلى مرحلة أكثر خطورة، بعدما تصاعدت الاتهامات بشأن الوجود العسكري في المنطقة، بالتزامن مع تحرك سياسي من جوبا لإدراج أبيي ضمن دوائرها الانتخابية.
وترى الخرطوم أن هذه التطورات لا يمكن فصلها عن الحرب المستمرة داخل السودان، متهمةً جنوب السودان بمحاولة استغلال انشغال الدولة السودانية بالصراع الداخلي من أجل ترسيخ نفوذه على أبيي وتحويل السيطرة التدريجية إلى أمر واقع سياسي يصعب تغييره مستقبلًا.
الوجود العسكري يشعل الخلاف
تتمتع أبيي بوضع خاص بموجب الترتيبات الأمنية بين الجانبين، ومن المفترض أن تبقى المنطقة منزوعة السلاح لتجنب تحولها إلى نقطة مواجهة مباشرة بين السودان وجنوب السودان.
لكن استمرار وجود قوات جنوب سودانية في المنطقة يثير مخاوف الخرطوم من أن تكون جوبا بصدد إعادة تشكيل المعادلة الأمنية على الأرض.
وبالنسبة للسودان، فإن المشكلة لا تكمن فقط في وجود القوات، وإنما في ما قد ينتج عنه: فرض سيطرة أمنية تدريجية، ثم تكريسها سياسيًا وإداريًا.
خطوة انتخابية ترفع سقف التصعيد
وجاءت الخطوة الأكثر إثارة للجدل مع إدراج أبيي ضمن الدوائر الانتخابية في جنوب السودان.
فالقرار يحمل أبعادًا تتجاوز العملية الانتخابية نفسها، لأنه يرسل إشارة سياسية حول الطريقة التي تنظر بها جوبا إلى مستقبل المنطقة.
وتخشى الخرطوم من أن تتحول الإجراءات الانتخابية إلى وسيلة لتثبيت مطالبة جنوب السودان بأبيي، خصوصًا إذا استمرت بالتوازي مع الوجود العسكري.
وهنا تكمن خطورة التطورات الأخيرة: النزاع لم يعد يتحرك فقط عبر القوات والسلاح، بل بدأ يتحرك أيضًا عبر المؤسسات السياسية والانتخابية.
الحرب في السودان تغيّر حسابات أبيي
تواجه الحكومة السودانية منذ سنوات حربًا مدمرة تستنزف قدراتها العسكرية والسياسية، وهو ما يجعل الحدود مع جنوب السودان أكثر هشاشة.
وترى الخرطوم أن هذا الوضع قد يشجع جوبا على التحرك في أبيي باعتبار أن السودان أصبح منشغلًا بمعارك داخلية متعددة.
وفي حال استمر هذا المسار، فقد تجد الخرطوم نفسها أمام معادلة صعبة: حرب داخلية من جهة، ونزاع حدودي متصاعد من جهة أخرى.
لكن هل بدأت مواجهة جديدة؟
رغم ارتفاع مستوى التوتر، لا توجد حتى الآن، وفق المعلومات المتاحة، تقارير أممية تؤكد شن قوات جنوب السودان هجومًا عسكريًا جديدًا على أبيي.
وهذه نقطة مهمة، لأن التصعيد السياسي والوجود العسكري لا يعنيان بالضرورة أن حربًا جديدة قد اندلعت.
لكن الخطر يكمن في إمكانية حدوث احتكاك ميداني محدود يتحول بسرعة إلى أزمة أكبر، خصوصًا في منطقة تتداخل فيها المصالح السياسية والقبلية والأمنية.
أبيي.. أكثر من مجرد منطقة حدودية
أبيي ليست مجرد نقطة على الحدود بين البلدين.
فالمنطقة ترتبط بملفات النفط، والحدود، والهوية، والقبائل، والسيادة، وتقاسم الموارد، ولذلك فإن أي تغيير في وضعها قد تكون له تداعيات تتجاوز حدودها الجغرافية.
ومنذ انفصال جنوب السودان عام 2011، بقي ملف أبيي واحدًا من أكثر القضايا تعقيدًا بين الخرطوم وجوبا، من دون تسوية نهائية تحظى بقبول الطرفين.
والآن، مع عودة التحركات العسكرية والسياسية إلى الواجهة، يخشى مراقبون من أن تدخل المنطقة مرحلة جديدة من الصراع على فرض الوقائع قبل الوصول إلى طاولة التفاوض.
السيناريو الأخطر
السيناريو الأكثر خطورة ليس بالضرورة اندلاع حرب شاملة بين السودان وجنوب السودان في الوقت الحالي، وإنما التدرج نحو أمر واقع جديد.
وجود عسكري مستمر، ثم خطوات إدارية، ثم إجراءات انتخابية، ثم ردود سياسية من الخرطوم.. هذه السلسلة يمكن أن تجعل كل طرف أكثر تمسكًا بموقفه، وتقلل مساحة التسوية.
ولهذا فإن أي تحرك جديد في أبيي، حتى لو كان محدودًا، قد يحمل أهمية أكبر من حجمه العسكري الفعلي.
أبيي تدخل مرحلة حساسة للغاية. فالخرطوم ترى أن جوبا تستغل الحرب السودانية لتعزيز نفوذها في المنطقة، بينما تثير الخطوات الانتخابية الجديدة مخاوف من انتقال النزاع من مجرد خلاف حدودي إلى محاولة لتثبيت واقع سياسي جديد.
ومع عدم وجود تأكيد أممي على هجوم عسكري جديد حتى الآن، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الخرطوم وجوبا احتواء التصعيد قبل أن تتحول أبيي إلى جبهة صراع جديدة تهدد استقرار البلدين؟










