لندن – المنشر_الاخباري
تدخل الساحة السورية مرحلة جديدة من التوتر الإقليمي، مع تصاعد مؤشرات التنافس بين تركيا وإسرائيل حول النفوذ والأمن وترتيبات مستقبل البلاد، في وقت تشهد فيه المنطقة بأكملها تحولات متسارعة على خلفية الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والتطورات في غزة ولبنان، والمساعي الدولية لإعادة تشكيل الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط.
وأصبحت العلاقة بين أنقرة وتل أبيب واحدة من أكثر الملفات حساسية في المشهد السوري، بعدما انتقلت المنافسة بين الطرفين من خلافات سياسية وتصريحات متبادلة إلى حسابات أمنية وعسكرية أكثر تعقيدًا. وفي الوقت الذي تحاول فيه تركيا تثبيت نفوذها داخل سوريا وحماية مصالحها وحدودها، تنظر إسرائيل إلى أي توسع للقوة التركية في الساحة السورية باعتباره تطورًا يستوجب المراقبة وإعادة تقييم حساباتها الأمنية.
سوريا تتحول إلى ساحة صراع على النفوذ
تتمتع سوريا بأهمية استراتيجية استثنائية بالنسبة إلى تركيا وإسرائيل. فبالنسبة لأنقرة، تمثل سوريا امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي بسبب الحدود الطويلة بين البلدين، كما ترتبط بها ملفات اللاجئين والجماعات المسلحة والأمن الحدودي ومستقبل النظام السياسي السوري وإعادة الإعمار.
أما إسرائيل، فتنظر إلى سوريا من زاوية مختلفة، إذ تعتبر أن أي تغير في موازين القوى داخل الأراضي السورية يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على أمنها، خصوصًا في المناطق القريبة من الجولان المحتل والجنوب السوري.
ولهذا السبب، تواصل إسرائيل مراقبة التحركات العسكرية والسياسية في سوريا، وتنفذ عمليات عسكرية كلما اعتقدت أن هناك تطورات يمكن أن تشكل تهديدًا لمصالحها، بينما تحاول تركيا توسيع قدرتها على التأثير في مستقبل سوريا ومنع ظهور ترتيبات ترى أنها تضر بأمنها ومصالحها.
هذه الحسابات المتعارضة تجعل أي تغير في انتشار القوات أو مناطق النفوذ داخل سوريا مصدرًا محتملًا للتوتر.
أنقرة تعزز حضورها وتل أبيب تراقب بقلق
ترى تركيا أن لها مصالح مباشرة في مستقبل سوريا، ولا تريد أن تترك عملية إعادة بناء الدولة السورية أو ترتيباتها الأمنية والسياسية لأطراف أخرى.
وتسعى أنقرة إلى لعب دور مؤثر في ملفات الأمن والاقتصاد وإعادة الإعمار، إضافة إلى ملف الجماعات المسلحة الموجودة بالقرب من حدودها.
وفي المقابل، تخشى إسرائيل من أن يؤدي تعزيز الدور التركي إلى ظهور قوة إقليمية جديدة ذات حضور عسكري وسياسي قوي في الساحة السورية، الأمر الذي قد يحد من حرية الحركة الإسرائيلية ويغير طبيعة التوازنات التي عملت تل أبيب على ترسيخها خلال السنوات الماضية.
وتزداد المخاوف الإسرائيلية عندما تتقاطع التحركات التركية مع المناطق التي تعتبرها إسرائيل حساسة من الناحية الأمنية، إذ إن أي احتكاك بين قوات أو جهات مرتبطة بالطرفين يمكن أن يخلق أزمة يصعب احتواؤها بسرعة.
الخلاف لا يقتصر على سوريا
التوتر التركي الإسرائيلي لا يرتبط بالملف السوري وحده، بل يتداخل مع خلافات أوسع حول مستقبل المنطقة.
فتركيا تتخذ مواقف شديدة الانتقاد للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، بينما تعتبر إسرائيل أن الموقف التركي يمثل تحديًا سياسيًا متزايدًا لها.
كما أن التطورات في غزة ولبنان والملف الإيراني تؤثر بصورة مباشرة على حسابات الطرفين.
وتخشى أنقرة من اتساع نطاق الحروب الإقليمية وتحولها إلى صراع طويل يهدد استقرار المنطقة ويؤثر على أمنها الاقتصادي والسياسي، بينما ترى إسرائيل أن البيئة الإقليمية الحالية تفرض عليها الحفاظ على تفوقها العسكري ومنع ظهور قوى يمكن أن تشكل تهديدًا مستقبليًا.
وهكذا أصبحت سوريا نقطة تقاطع بين مجموعة كبيرة من الملفات المتشابكة، وليس مجرد ساحة منفصلة عن بقية أزمات المنطقة.
هل يمكن أن تتحول المنافسة إلى مواجهة؟
رغم تصاعد التوتر، فإن الوصول إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين تركيا وإسرائيل لا يزال سيناريو معقدًا.
فالطرفان يدركان أن أي صدام مباشر ستكون له تداعيات خطيرة على المنطقة، وقد يؤدي إلى تدخل أطراف أخرى وفتح جبهات جديدة.
كما أن وجود قنوات سياسية واتصالات غير مباشرة يمكن أن يساعد في منع وقوع مواجهة واسعة.
لكن الخطر يكمن في الحوادث الميدانية غير المحسوبة.
ففي الساحات التي تشهد عمليات عسكرية متزامنة من أطراف متعددة، يمكن لحادث واحد أن يؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل، خصوصًا إذا سقط قتلى أو تعرضت منشآت حساسة لهجوم.
ومن هنا تأتي المخاوف من أن تتحول سوريا إلى نقطة احتكاك بين تركيا وإسرائيل، حتى إذا لم يكن أي من الطرفين يريد حربًا مباشرة.
الحسابات الإسرائيلية تتغير
من منظور إسرائيلي، فإن صعود الدور التركي في سوريا يفرض إعادة النظر في طبيعة التهديدات الإقليمية.
فإسرائيل اعتادت خلال السنوات الماضية على التعامل مع وجود قوى مختلفة داخل سوريا، لكنها تجد نفسها أمام احتمال ظهور لاعب إقليمي كبير يتمتع بقدرات عسكرية متقدمة وعلاقات سياسية واسعة، ويملك حدودًا مباشرة مع سوريا.
وهذا يختلف عن التعامل مع جماعات مسلحة أو قوى محدودة النفوذ.
لذلك، فإن أي توسع تركي طويل الأمد قد يدفع إسرائيل إلى تعديل استراتيجيتها تجاه سوريا، سواء عبر زيادة النشاط السياسي أو تكثيف المراقبة أو تعزيز الوجود العسكري في المناطق التي تعتبرها حساسة.
تركيا أمام معادلة صعبة
في المقابل، تواجه تركيا معادلة معقدة أيضًا.
فهي تريد الحفاظ على نفوذها ومصالحها داخل سوريا، لكنها لا تريد الدخول في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، خصوصًا في ظل الظروف الإقليمية شديدة الحساسية.
ولهذا من المتوقع أن تحاول أنقرة استخدام الأدوات السياسية والدبلوماسية إلى جانب أدوات النفوذ غير المباشر، مع تجنب الاحتكاك العسكري المباشر قدر الإمكان.
لكن استمرار العمليات الإسرائيلية في الأراضي السورية، أو اقترابها من مناطق تعتبرها تركيا ذات أهمية استراتيجية، قد يضع أنقرة أمام ضغوط متزايدة لاتخاذ موقف أكثر حدة.
تأثير الحرب بين الولايات المتحدة وإيران
وتأتي هذه التطورات في وقت بالغ الحساسية بسبب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
فأي عودة للتصعيد بين واشنطن وطهران قد تؤدي إلى إعادة ترتيب التحالفات والحسابات العسكرية في المنطقة بأكملها.
وإذا اتسعت المواجهة، فإن سوريا ستكون من بين أكثر الساحات عرضة للتأثر، بسبب موقعها الجغرافي وتعدد القوى الموجودة فيها.
وقد تجد تركيا نفسها أمام ضغوط من حلفائها وشركائها لاتخاذ موقف واضح، بينما ستتعامل إسرائيل مع أي تغير في البيئة السورية باعتباره مسألة أمن قومي.
ومن شأن ذلك أن يزيد احتمال وقوع احتكاكات بين المصالح التركية والإسرائيلية.
غزة ولبنان يزيدان تعقيد المشهد
لا يمكن فصل التنافس التركي الإسرائيلي في سوريا عن التطورات في غزة ولبنان.
فالحرب والعمليات العسكرية المستمرة في المنطقة خلقت شبكة من الصراعات المترابطة، وأصبح أي تصعيد في جبهة واحدة قادرًا على التأثير في الجبهات الأخرى.
وتسعى قوى إقليمية ودولية إلى وضع ترتيبات جديدة للمرحلة المقبلة، خصوصًا فيما يتعلق بالأمن في غزة وإعادة الإعمار ومستقبل القوى الموجودة على الأرض.
وفي هذا السياق، يبرز الخلاف حول شكل القوة الدولية أو الإقليمية التي يمكن أن تشارك في ترتيبات المرحلة المقبلة، وهو ملف يمكن أن يتقاطع أيضًا مع الخلافات التركية الإسرائيلية.
الخطر الأكبر هو اتساع دائرة الاحتكاك
المشكلة الأساسية ليست فقط في وجود خلاف بين أنقرة وتل أبيب، وإنما في احتمال تداخل هذا الخلاف مع صراعات أخرى.
فإذا تزامن التوتر التركي الإسرائيلي مع تصعيد أمريكي إيراني، واستمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان وغزة وسوريا، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة شديدة الخطورة يصعب فيها الفصل بين الجبهات المختلفة.
وقد يؤدي أي حادث عسكري كبير إلى ردود فعل متسلسلة، خصوصًا إذا اعتبر أحد الطرفين أن مصالحه المباشرة تعرضت للخطر.
ومن هنا، فإن الحفاظ على قنوات الاتصال وتجنب الاحتكاك المباشر سيكونان عاملين أساسيين لمنع تحول التنافس إلى صدام.
هل سوريا أمام مواجهة جديدة؟
السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو ما إذا كانت سوريا ستصبح ساحة مواجهة جديدة بين تركيا وإسرائيل.
الإجابة لا تزال غير محسومة، لكن المؤشرات الحالية تظهر أن التنافس يتجه نحو مزيد من التعقيد.
تركيا تريد أن يكون لها دور رئيسي في تحديد مستقبل سوريا، بينما تريد إسرائيل الحفاظ على حرية تحركها وقدرتها على منع أي تهديد محتمل من الأراضي السورية.
وبين الهدفين توجد مساحة واسعة من المصالح المتعارضة.
إذا تمكن الطرفان من إدارة هذه الخلافات عبر القنوات السياسية والأمنية، فقد يبقى الصراع في حدود التنافس والنفوذ.
أما إذا تكررت الاحتكاكات الميدانية أو وقعت حادثة عسكرية كبيرة، فقد تنتقل الأزمة إلى مستوى جديد.
الساحة السورية تتحول تدريجيًا إلى واحدة من أهم نقاط اختبار العلاقة بين تركيا وإسرائيل.
فأنقرة تسعى إلى تثبيت نفوذها وحماية مصالحها الأمنية، بينما تحاول تل أبيب الحفاظ على تفوقها العسكري وحرية تحركها داخل سوريا.
وفي ظل استمرار الأزمات في غزة ولبنان وتصاعد التوتر حول إيران، أصبحت أي مواجهة محتملة بين الطرفين أكثر خطورة من كونها خلافًا ثنائيًا، لأنها قد تتحول سريعًا إلى أزمة إقليمية واسعة.
ورغم أن الحرب المباشرة ليست السيناريو الأكثر ترجيحًا في الوقت الراهن، فإن ارتفاع مستوى التنافس العسكري والسياسي يجعل احتمالات الاحتكاك أكبر.
وبذلك تبقى سوريا أمام معادلة شديدة الحساسية: قوى إقليمية متعددة تسعى إلى تثبيت نفوذها، وإسرائيل تحاول فرض حساباتها الأمنية، وتركيا تعمل على منع ترتيبات ترى أنها تهدد مصالحها، بينما تستمر أزمات المنطقة في دفع الجميع نحو مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوة.










