واشنطن- المنشر_الاخباري
في تطور يكشف اتساع تداعيات الحرب في إيران إلى خارج منطقة الشرق الأوسط، أعلنت الولايات المتحدة إلغاء مناورات إنزال برمائي مشتركة مع كوريا الجنوبية كان مقرراً إجراؤها خلال سبتمبر المقبل، بعدما أبلغت واشنطن سيول بأن انخراط القوات الأميركية في الحرب الدائرة مع إيران فرض قيوداً على توافر القوات اللازمة للمناورة.
وتتعلق الخطوة بمناورات «سانغ يونغ» (Ssangyong)، وهي تدريبات عسكرية كبيرة تُجرى بصورة دورية بين القوات الأميركية والكورية الجنوبية، وتركز على عمليات الإنزال البرمائي والتنسيق بين وحدات مشاة البحرية والقوات البرية والبحرية. وأكدت مشاة البحرية الكورية الجنوبية إلغاء التدريبات، مشيرة إلى أن الجانب الأميركي كان قد أبلغ نظيره الكوري في يونيو الماضي بأن توافر القوات الأميركية سيكون محدوداً بسبب الالتزامات العسكرية المرتبطة بالحرب في إيران.
حرب إيران تضغط على انتشار القوات الأميركية
ويعكس القرار حجم الضغوط التي تواجهها الولايات المتحدة في توزيع قواتها بين عدة مسارح عسكرية في الوقت نفسه. فمع استمرار الحرب في إيران، اضطرت واشنطن إلى تخصيص قوات وموارد إضافية للشرق الأوسط، الأمر الذي انعكس على قدرتها على تنفيذ بعض التدريبات المقررة مع حلفائها في آسيا.
وبحسب المعلومات المتاحة، لا يعني إلغاء «سانغ يونغ» نهاية التعاون العسكري بين واشنطن وسيول، إذ لا تزال الدولتان تبحثان إمكانية استئناف المناورة في وقت لاحق عندما تسمح الظروف العسكرية بذلك.
وتكتسب هذه التدريبات أهمية خاصة لأنها تُجرى على مستوى كبير وتختبر قدرة القوات الأميركية والكورية الجنوبية على تنفيذ عمليات مشتركة معقدة، في ظل استمرار التهديدات العسكرية من كوريا الشمالية.
خطوة جديدة بعد تقليص «أولتشي فريدوم شيلد»
وجاء إلغاء المناورة البرمائية بعد أيام فقط من تقليص الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية نطاق مناورات «أولتشي فريدوم شيلد» السنوية.
وكان من المقرر أن تستمر المناورات لمدة 11 يوماً، إلا أن واشنطن طلبت تقليصها لتنتهي في 21 أغسطس بدلاً من 27 أغسطس، أي قبل الموعد الأصلي بستة أيام. كما جرى تقليص عدد من تدريبات المناورة الميدانية، وتحويل بعض الأنشطة إلى تدريبات محاكاة.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أمر بتقليص التدريبات، وربط قراره بعوامل عدة، من بينها تكاليف المناورات وعلاقته مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، إضافة إلى موقف كوريا الجنوبية من الحرب في إيران.
كوريا الجنوبية أمام معادلة أمنية صعبة
يمثل الوجود العسكري الأميركي والتدريبات المشتركة ركناً أساسياً في استراتيجية الردع التي تعتمدها كوريا الجنوبية في مواجهة كوريا الشمالية، التي تمتلك ترسانة صاروخية ونووية متطورة.
وتوجد في كوريا الجنوبية نحو 28,500 جندي أميركي، ويُنظر إلى الوجود الأميركي هناك باعتباره جزءاً أساسياً من منظومة الدفاع عن سيول والحفاظ على التوازن العسكري في شبه الجزيرة الكورية.
لذلك، فإن إلغاء مناورات «سانغ يونغ» وتقليص «أولتشي فريدوم شيلد» في فترة قصيرة يثيران تساؤلات حول كيفية موازنة واشنطن بين التزاماتها العسكرية في الشرق الأوسط والتزاماتها تجاه حلفائها في آسيا.
كوريا الشمالية تراقب التطورات
وتنظر بيونغ يانغ منذ سنوات إلى المناورات الأميركية الكورية باعتبارها تدريبات تحاكي عمليات عسكرية ضدها، ولذلك رحبت بتقليص بعضها باعتباره مؤشراً على تراجع مستوى الضغط العسكري.
لكن تقليص التدريبات لم يؤدِ حتى الآن إلى تهدئة كاملة في شبه الجزيرة الكورية، إذ أطلقت كوريا الشمالية مؤخراً نحو عشرة صواريخ باليستية قصيرة المدى، بالتزامن مع استمرار انتقاداتها للوجود العسكري الأميركي والتدريبات المشتركة.
كما أن تقليص المناورات لا يعني تغييراً رسمياً في طبيعة التحالف الأميركي الكوري الجنوبي، لكنه يأتي في وقت حساس بالنسبة للأمن الإقليمي، خصوصاً مع استمرار كوريا الشمالية في تطوير قدراتها الصاروخية والنووية.
هل تعيد واشنطن ترتيب أولوياتها؟
وتطرح التطورات الأخيرة سؤالاً أوسع حول قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على مستوى الانتشار العسكري نفسه في مناطق مختلفة من العالم في ظل استمرار الحرب في إيران.
فإلغاء «سانغ يونغ» لا يرتبط بقرار سياسي منفصل فقط، بل يأتي في سياق أوسع من إعادة ترتيب التدريبات والموارد العسكرية الأميركية، بعد أن أصبحت الحرب في الشرق الأوسط تستنزف جزءاً من القدرات التي كانت مخصصة لأنشطة عسكرية مع حلفاء واشنطن في آسيا.
وبالنسبة إلى كوريا الجنوبية، تظل الأولوية الحفاظ على الردع تجاه كوريا الشمالية وضمان جاهزية القوات المشتركة، بينما تواجه واشنطن معادلة أكثر تعقيداً تتطلب توزيع قواتها بين الشرق الأوسط وأوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار المشاورات بين واشنطن وسيول بشأن إمكانية استئناف «سانغ يونغ» يشير إلى أن الإلغاء الحالي قد يكون مرتبطاً بالظروف العسكرية الراهنة أكثر من كونه تحولاً دائماً في التعاون الدفاعي بين البلدين.
وهكذا، تكشف الحرب في إيران عن تداعيات تتجاوز ساحات القتال المباشرة، بعدما بدأت تؤثر في انتشار القوات الأميركية وجدول المناورات مع حلفائها في آسيا، لتصبح الحرب عاملاً جديداً في حسابات الأمن والاستقرار في شبه الجزيرة الكورية.










