الخرطوم- المنشر_الاخباري
تكثفت التحركات الدبلوماسية الرامية إلى احتواء الحرب في السودان، مع تصاعد الدعوات الدولية إلى هدنة إنسانية عاجلة تسمح بوصول المساعدات إلى المدنيين دون عوائق، بالتوازي مع الدفع نحو مسار سياسي سوداني شامل ينهي القتال ويمهد لتسوية مستدامة.
وفي هذا السياق، بحث وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن الجهود الرامية إلى وقف المعارك وتخفيف الأزمة الإنسانية، مؤكدا أن إنهاء الحرب لن يكون عبر الحسم العسكري، وإنما من خلال وقف إطلاق النار وفتح الطريق أمام عملية سياسية يقودها السودانيون.
هدنة عاجلة لتوصيل المساعدات
تضع التحركات الدولية الهدنة الإنسانية في مقدمة الأولويات، باعتبارها خطوة ضرورية لتمكين المنظمات الإغاثية من الوصول إلى المناطق الأكثر تضررا.
وأكدت الدنمارك في مجلس الأمن الحاجة الملحة إلى هدنة إنسانية تقود لاحقا إلى وقف دائم ومستدام لإطلاق النار، مع مطالبة طرفي النزاع بوقف الهجمات على المدنيين والبنية التحتية المدنية والسماح بمرور آمن للنازحين والفارين من مناطق القتال.
وتأتي هذه الدعوات في وقت تتفاقم فيه الاحتياجات الإنسانية داخل السودان، حيث أفادت الأمم المتحدة بأن أكثر من ثلثي السكان يحتاجون إلى مساعدات منقذة للحياة، بينما لا تزال عمليات الإغاثة تواجه صعوبات أمنية ولوجستية كبيرة.
لا حل عسكريا للحرب
ويستند التحرك الدبلوماسي إلى قناعة متزايدة لدى الأطراف الدولية بأن استمرار المعارك لن يؤدي إلى تسوية مستقرة.
فالحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023، تسببت في أزمة إنسانية واسعة ونزوح أعداد كبيرة من السكان، بينما امتدت أعمال القتال إلى مناطق جديدة، بما في ذلك كردفان ودارفور.
وحذرت الأمم المتحدة خلال اجتماع مجلس الأمن الأخير من استمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة، مشيرة إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، واستمرار الاعتداءات على الأسواق والمدارس ومحطات الوقود ومنشآت المياه.
وفي ظل هذا الواقع، تركز الدعوات الدولية على ضرورة الانتقال من إدارة الحرب إلى معالجة جذورها السياسية، بدلا من انتظار انتصار عسكري قد لا يؤدي بالضرورة إلى سلام دائم.
دعم خارجي يطيل أمد الصراع
أحد أبرز الملفات المطروحة في الجهود الدبلوماسية يتعلق بالدعم العسكري الخارجي الذي تحصل عليه أطراف النزاع.
ودعت الدنمارك وشركاؤها إلى وقف الدعم العسكري الخارجي للأطراف المتحاربة، باعتبار أن استمرار تدفق الأسلحة والمعدات يساهم في إطالة أمد الحرب ويزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية سياسية.
وكانت دول ومنظمات دولية قد دعت في مناسبات مختلفة إلى وقف إمدادات السلاح التي تغذي الصراع، بالتزامن مع مطالب بتشديد الرقابة على تدفقات الأسلحة إلى مناطق القتال.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن طبيعة الأسلحة المستخدمة في الهجمات الأخيرة تظهر استمرار وصول دعم خارجي إلى أطراف النزاع، وهو ما يزيد المخاوف من تحول الحرب إلى صراع طويل الأمد تتداخل فيه المصالح الإقليمية والدولية.
الخماسية تبحث مسارا سياسيا
إلى جانب المسار الإنساني، يبرز دور «الخماسية» التي تضم الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد» وجامعة الدول العربية.
وتهدف المجموعة إلى تنسيق جهود الوساطة والدفع نحو حوار سوداني-سوداني شامل، بحيث لا تقتصر العملية السياسية على الأطراف العسكرية المتحاربة، وإنما تشمل القوى المدنية والمجتمعية السودانية.
وكانت الأطراف الدولية قد أكدت دعمها لمسار يقوده السودانيون أنفسهم، مع الدفع نحو عملية سياسية مدنية وشاملة يمكن أن تعالج مستقبل الحكم في البلاد بعد وقف إطلاق النار.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، في ظل المخاوف من أن يؤدي أي اتفاق يقتصر على القيادات العسكرية إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها، بدلا من معالجة جذور الصراع وبناء مؤسسات سياسية مستقرة.
أزمة إنسانية تتسع
ويأتي التحرك الدبلوماسي في ظل أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة.
وأفادت الأمم المتحدة بأن أكثر من 11 مليون شخص تمكنت عملياتها الإنسانية من الوصول إليهم خلال العام الجاري، لكنها حذرت في الوقت نفسه من فجوات كبيرة في قطاعات الصحة والتعليم والمياه والمأوى، نتيجة نقص التمويل والعراقيل الأمنية.
كما أدت المعارك إلى موجات نزوح واسعة، فيما تواجه المناطق التي تستقبل النازحين ضغوطا متزايدة على الخدمات الأساسية والموارد المحدودة.
وتحذر المنظمات الدولية من أن استمرار القتال يهدد بتفاقم الجوع والأمراض وانهيار الخدمات الأساسية، خصوصا في المناطق التي يصعب الوصول إليها بسبب المعارك أو القيود المفروضة على حركة المساعدات.
الدنمارك تعلن دعما إضافيا
وفي إطار الاستجابة للأزمة، أعلنت الدنمارك تقديم 15.6 مليون دولار إضافية للمساعدات الإنسانية في السودان، ليرتفع إجمالي مساهمتها منذ اندلاع الحرب عام 2023 إلى قرابة 105 ملايين دولار.
وتسعى كوبنهاغن من خلال هذه المساعدات إلى دعم عمليات الإغاثة في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية نقصا كبيرا في التمويل.
لكن المسؤولين الدنماركيين يؤكدون أن المساعدات وحدها لا يمكن أن تنهي الأزمة، وأن الحل يتطلب وقف القتال وتهيئة الظروف أمام عودة العملية السياسية.
اختبار حقيقي للجهود الدولية
ويضع التصعيد المستمر في السودان الجهود الدبلوماسية أمام اختبار صعب، خصوصا مع تعدد المبادرات الدولية والإقليمية وتباين مواقف القوى المؤثرة في الصراع.
وتوجد بالفعل مبادرات متعددة، بينها جهود «الخماسية» والمساعي التي تقودها دول إقليمية ودولية للتوصل إلى هدنة، إلا أن تحويل هذه المبادرات إلى اتفاق قابل للتنفيذ يظل التحدي الأكبر.
وتؤكد التجربة السابقة أن أي هدنة لن تكون كافية إذا لم تترافق مع آلية واضحة لمراقبة الالتزام بها، وضمان وصول المساعدات، وتهيئة الظروف لوقف دائم لإطلاق النار.
ما الخطوة المقبلة؟
المرحلة المقبلة قد تشهد تكثيف الاتصالات الدولية بهدف التوصل إلى هدنة تسمح بفتح ممرات إنسانية وتخفيف معاناة المدنيين، قبل الانتقال إلى مفاوضات أوسع حول وقف دائم لإطلاق النار.
لكن نجاح هذا المسار سيعتمد بدرجة كبيرة على استعداد طرفي النزاع لقبول تسوية سياسية، وعلى قدرة الدول التي تتمتع بنفوذ عليهما على الضغط لوقف الدعم العسكري الخارجي.
وفي الوقت نفسه، تبدو مشاركة القوى المدنية السودانية عاملا أساسيا في أي تسوية طويلة الأمد، خصوصا أن إنهاء الحرب لا يعني فقط وقف إطلاق النار، وإنما إعادة بناء الدولة ومعالجة أسباب الانقسام ووضع السودان على مسار سياسي جديد.
وبينما تتواصل المعارك وتتسع الاحتياجات الإنسانية، تحاول الدبلوماسية الدولية دفع الأطراف من ميدان القتال إلى طاولة المفاوضات. ويبقى التحدي الأكبر هو تحويل الدعوات المتكررة إلى هدنة وحوار إلى خطوات عملية قادرة على وقف الحرب وإنهاء واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدا في المنطقة.










