لندن – المنشر_الاخباري
في الوقت الذي تنشغل فيه الولايات المتحدة بإدارة المواجهة مع إيران، تواصل الصين تعزيز حضورها في الشرق الأوسط بهدوء، مستفيدة من التحولات الجيوسياسية التي تدفع دول المنطقة إلى البحث عن شركاء أمنيين واقتصاديين جدد.
ويرى محللون أن التحالف الدفاعي الجديد الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان، والمعروف إعلامياً بـ”تحالف مكة”، لا يقتصر على إعادة رسم التوازنات الأمنية في المنطقة، بل قد يمنح بكين فرصة استراتيجية لتعزيز نفوذها دون الانخراط المباشر في الصراعات.
تحالف جديد ورسائل متعددة
جاء الإعلان عن التحالف في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، حيث ينص الاتفاق على تعزيز التعاون العسكري والدفاعي بين الدول الثلاث، والتعامل مع أي اعتداء على أحد أعضائه باعتباره تهديداً مشتركاً.
ورغم تأكيد أطراف الاتفاق أنه لا يستهدف إيران، فإن ظهوره في هذا التوقيت يعكس توجه القوى الإقليمية نحو تنويع تحالفاتها الأمنية وعدم الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية.
بكين.. المستفيد الهادئ
وبحسب تقديرات سياسية، فإن الصين قد تكون المستفيد الأكبر من هذا التحول، إذ تمتلك علاقات استراتيجية مع الدول الثلاث، كما تعد الشريك التجاري الأول لكل من السعودية وباكستان، وتربطها مصالح اقتصادية واسعة مع تركيا.
ويرى مراقبون أن بكين لا تحتاج إلى نشر قوات أو إنشاء قواعد عسكرية جديدة في الخليج، بقدر ما تركز على تصدير التكنولوجيا، وأنظمة الدفاع، والطائرات المسيّرة، والاستثمارات في البنية التحتية والموانئ، بما يعزز نفوذها الاقتصادي طويل الأمد.
باكستان بوابة النفوذ الصيني
ويكتسب الدور الباكستاني أهمية خاصة بالنسبة للصين، في ظل الشراكة العسكرية الوثيقة بين البلدين، والتي تشمل تطوير مقاتلات وأنظمة تسليح مشتركة.
ويعتقد خبراء أن أي توسع للدور العسكري الباكستاني في الخليج سيمنح الصين نفوذاً غير مباشر داخل المنظومة الأمنية الجديدة، خصوصاً إذا تطور التعاون بين الرياض وإسلام آباد وأنقرة في مجالات الدفاع الجوي والطائرات بدون طيار والاستخبارات العسكرية.
الخليج بين واشنطن وبكين
وتسعى دول الخليج في السنوات الأخيرة إلى تنويع شراكاتها الدولية، عبر تعزيز التعاون مع الصين في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والاستثمار، بالتوازي مع استمرار العلاقات الأمنية مع الولايات المتحدة.
ويشير محللون إلى أن هذا النهج يمنح بكين مساحة أكبر لتعزيز حضورها الاقتصادي، خاصة مع توسع مشاريع “الحزام والطريق” وزيادة الاستثمارات الصينية في الموانئ والطاقة والذكاء الاصطناعي.
ماذا يعني ذلك لإيران؟
ورغم أن التحالف الجديد يضم ثلاث دول سنية، إلا أن مؤشرات عدة توحي بأنه لا يستهدف الدخول في مواجهة مباشرة مع طهران، بل يركز على تعزيز القدرات الدفاعية للدول الأعضاء.
ويرى خبراء أن الصين تعمل على الحفاظ على توازن دقيق، فهي لا ترغب في صعود إيران إلى مستوى يهدد استقرار الخليج، لكنها في الوقت نفسه لا تريد إضعافها بالكامل، نظراً لأهميتها كشريك اقتصادي ومصدر رئيسي للطاقة.
شرق أوسط متعدد الأقطاب
ويؤكد مراقبون أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها فكرة الاستقطاب التقليدي بين معسكر موالٍ لواشنطن وآخر قريب من طهران، لتحل محلها شبكة معقدة من التحالفات المتداخلة، تضم قوى إقليمية تسعى إلى حماية مصالحها عبر تنويع الشراكات الأمنية والاقتصادية.
وفي ظل هذه التحولات، تبدو الصين في موقع يسمح لها بتوسيع نفوذها بهدوء، مستفيدة من انشغال الولايات المتحدة بالأزمات العسكرية، ومن حاجة دول المنطقة إلى شركاء جدد في مجالات التكنولوجيا والدفاع والاستثمار.










