لندن – المنشر_الاخباري
تشهد بريطانيا ارتفاعاً في عدد المجرمين الأجانب الذين أنهوا عقوباتهم السجنية، لكنهم ما زالوا داخل البلاد بانتظار تنفيذ قرارات ترحيلهم، في وقت تواجه فيه الحكومة صعوبات متزايدة في مواكبة أعداد الخارجين من السجون بعمليات الإبعاد.
وبحسب أرقام نقلتها تقارير بريطانية حديثة، ارتفع عدد المجرمين الأجانب الموجودين في المجتمع البريطاني رغم إدراجهم ضمن قوائم المرحلين من 18,070 شخصاً في يوليو/تموز 2024، عندما تولى حزب العمال السلطة، إلى 19,780 شخصاً خلال الربع الأول من عام 2026، بزيادة تقارب 10%.
وتشمل هذه الأرقام أشخاصاً من غير المواطنين البريطانيين سبق أن أدينوا بجرائم وقضوا عقوباتهم، لكنهم لم يغادروا البلاد بعد رغم وجود إجراءات أو قرارات تستهدف ترحيلهم.
وتكمن إحدى أبرز المشكلات في أن انتهاء مدة السجن لا يعني بالضرورة مغادرة الشخص الأراضي البريطانية. ففي عدد من الحالات، يتم إطلاق سراح المحكوم عليهم إلى المجتمع بموجب ترتيبات مرتبطة بقانون الهجرة، بينما تستمر السلطات في محاولة استكمال إجراءات ترحيلهم.
ويأتي ارتفاع العدد في الوقت الذي تحاول فيه حكومة حزب العمال التعامل مع أزمة مزدوجة تتمثل في اكتظاظ السجون والضغوط المتزايدة على نظام الهجرة والترحيل.
وتشير البيانات إلى وجود فجوة بين عدد المجرمين الأجانب الذين يخرجون من السجون وبين قدرة السلطات على تنفيذ عمليات إعادتهم إلى بلدانهم، ما يؤدي إلى تراكم الحالات بمرور الوقت.
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما ترفض بعض الدول استقبال مواطنيها أو تتأخر في إصدار وثائق السفر اللازمة لإعادتهم، الأمر الذي يمكن أن يطيل فترة بقاء بعض المحكوم عليهم داخل بريطانيا بعد انتهاء عقوباتهم.
وتضع هذه التطورات الحكومة البريطانية أمام اختبار سياسي وأمني حساس، خصوصاً مع تصاعد النقاش حول الهجرة غير الشرعية، وترحيل الأجانب المدانين بجرائم، وقدرة الدولة على تنفيذ قراراتها بصورة سريعة وفعالة.
أزمة السجون تزيد الضغوط
ولا يمكن فصل ملف المجرمين الأجانب عن أزمة اكتظاظ السجون البريطانية.
فالحكومة تواجه منذ فترة ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع أعداد السجناء واقتراب بعض المؤسسات العقابية من حدود طاقتها الاستيعابية، وهو ما دفع السلطات إلى اللجوء إلى برامج للإفراج المبكر عن بعض السجناء لتوفير أماكن جديدة.
ومن المقرر الإفراج عن نحو 5 آلاف سجين إضافي في أكتوبر/تشرين الأول ضمن ترتيبات تستهدف تخفيف الضغط على السجون.
ويثير ذلك مخاوف من احتمال زيادة عدد الحالات التي تحتاج إلى معالجة في الوقت نفسه، خصوصاً إذا كان من بين المفرج عنهم أشخاص أجانب يخضعون لإجراءات ترحيل أو ينتظرون استكمال ترتيبات إعادتهم إلى بلدانهم.
ولا يعني الإفراج المبكر في حد ذاته أن جميع المفرج عنهم سيبقون في بريطانيا، لكن أي زيادة في أعداد الخارجين من السجون تضع مزيداً من الضغط على أجهزة الهجرة والجهات المسؤولة عن تنفيذ قرارات الترحيل.
لماذا لا يتم ترحيلهم فوراً؟
تبدو عملية ترحيل المجرمين الأجانب أكثر تعقيداً مما قد توحي به أرقام قرارات الإبعاد.
فبعد انتهاء العقوبة، تحتاج السلطات في بعض الحالات إلى تحديد هوية الشخص ووضعه القانوني والتأكد من جنسيته، ثم الحصول على وثائق سفر أو موافقة من الدولة التي سيُعاد إليها.
وقد تواجه بريطانيا أيضاً مشكلات عندما لا تتعاون حكومات أجنبية بصورة كاملة مع إجراءات إعادة مواطنيها.
وفي حالات أخرى، يمكن أن تؤدي الطعون والإجراءات القانونية المتعلقة بقرارات الترحيل إلى تأخير التنفيذ، بينما يبقى الشخص داخل المملكة المتحدة خلال فترة نظر السلطات أو المحاكم في القضية.
وهذا يفسر جزئياً كيف يمكن أن يرتفع عدد الأشخاص المدرجين ضمن قوائم الترحيل رغم استمرار الحكومة في تنفيذ عمليات إبعاد.
فجوة بين الترحيل والإفراج من السجون
المشكلة الأساسية التي تكشفها الأرقام هي وجود فجوة بين عدد المجرمين الأجانب الذين تنتهي عقوباتهم وبين عدد من تستطيع السلطات إعادتهم فعلياً إلى بلدانهم.
وإذا كان عدد الأشخاص الموجودين في المجتمع بانتظار الترحيل قد ارتفع من 18,070 إلى 19,780 خلال الفترة المذكورة، فإن ذلك يعني أن عمليات الإزالة لم تكن كافية لمنع تراكم الحالات الجديدة.
وتثير هذه الزيادة انتقادات من المعارضة المحافظة، التي تستخدم الأرقام للقول إن الحكومة لم تتمكن من السيطرة على ملف المجرمين الأجانب بعد انتهاء فترات سجنهم.
وفي المقابل، تواجه الحكومة تحديات عملية وقانونية لا يمكن حلها بمجرد إصدار قرارات ترحيل، لأن تنفيذ الإبعاد يعتمد في جزء منه على تعاون دول أخرى وعلى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية.
تأثير سياسي متزايد
ويأتي الملف في وقت أصبحت فيه الهجرة من أكثر القضايا حساسية في السياسة البريطانية.
فالحكومة العمالية تواجه ضغوطاً من المعارضة والرأي العام لتقليل الهجرة، وتسريع عمليات الترحيل، والتعامل بحزم أكبر مع الأجانب الذين يرتكبون جرائم.
وفي المقابل، تحاول الحكومة التأكيد على أنها تعمل على زيادة عمليات الإبعاد وتحسين إدارة نظام الهجرة، مع التعامل في الوقت نفسه مع أزمة السجون والقيود القانونية التي تحكم عمليات الترحيل.
لكن ارتفاع عدد المجرمين الأجانب الذين يعيشون في المجتمع بانتظار الإبعاد يمنح المعارضة مادة سياسية قوية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص أنهوا بالفعل عقوباتهم الجنائية.
ماذا قد يحدث بعد الإفراج عن 5 آلاف سجين؟
تتجه الأنظار الآن إلى أكتوبر، عندما تخطط الحكومة لإطلاق سراح نحو 5 آلاف سجين إضافي ضمن جهود تخفيف اكتظاظ المؤسسات العقابية.
ومن المتوقع أن تراقب السلطات بعناية أوضاع السجناء الأجانب الذين تشملهم قرارات الترحيل، في محاولة لتجنب زيادة تراكم الحالات التي لا يمكن تنفيذ إبعادها بسرعة.
لكن إذا لم تتزامن عمليات الإفراج مع قدرة أكبر على تنفيذ قرارات الترحيل، فقد تواجه بريطانيا ارتفاعاً جديداً في عدد الأشخاص الذين ينتقلون من السجون إلى المجتمع بينما تبقى ملفات إبعادهم مفتوحة.
وهذا من شأنه أن يزيد الضغط على نظام الهجرة وعلى أجهزة إنفاذ القانون، ويعيد النقاش حول ما إذا كان من الأفضل تنفيذ ترتيبات الترحيل قبل الإفراج عن بعض المجرمين الأجانب، حيثما يسمح القانون بذلك.
بريطانيا أمام معادلة صعبة
تكشف الأرقام في النهاية عن مشكلة تتجاوز مجرد ارتفاع عدد المجرمين الأجانب المدرجين على قوائم الترحيل.
فالحكومة تحتاج في الوقت نفسه إلى معالجة اكتظاظ السجون، وتسريع عمليات الترحيل، والحصول على تعاون الدول الأجنبية، والتعامل مع الطعون القانونية، وضمان عدم تحول الإفراج عن المحكوم عليهم إلى حل مؤقت يزيد من حجم المشكلة.
وبينما ارتفع عدد المجرمين الأجانب الموجودين في المجتمع بانتظار الترحيل بنحو 1,710 أشخاص مقارنة بيوليو 2024، فإن السؤال الأساسي أمام الحكومة البريطانية هو ما إذا كانت عمليات الإبعاد ستتمكن من اللحاق بأعداد الخارجين من السجون، أم أن الفجوة ستواصل الاتساع خلال الفترة المقبلة.
ومع اقتراب موعد الإفراج عن آلاف إضافية من السجناء، قد يصبح ملف المجرمين الأجانب والترحيل واحداً من أكثر الملفات السياسية سخونة في بريطانيا، خصوصاً إذا استمرت أعداد الموجودين بانتظار الإبعاد في الارتفاع بدلاً من الانخفاض.










