دمشق – المنشر_الاخباري
أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع مرسوماً رئاسياً يقضي بتعيين مصطفى خليل عبدي، المعروف باسم مظلوم عبدي، مستشاراً لرئاسة الجمهورية، في خطوة تأتي بعد أيام قليلة من إعلان حل قوات سوريا الديمقراطية «قسد» ودمج قواتها ومؤسسات الإدارة الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وبحسب المرسوم رقم 164 لعام 2026، أصبح مصطفى خليل عبدي مستشاراً لرئاسة الجمهورية، ليبدأ بذلك مرحلة جديدة في مسيرته السياسية بعد سنوات قضاها قائداً لقوات سوريا الديمقراطية التي كانت تحظى بدعم أمريكي ولعبت دوراً رئيسياً في القتال ضد تنظيم داعش في شمال وشرق سوريا.
ويأتي التعيين بعد إعلان عبدي، في 25 أغسطس/آب، انتهاء العمل بقوات سوريا الديمقراطية كقوة عسكرية مستقلة، مؤكداً أن عملية دمج قواتها ضمن ألوية الجيش السوري قد اكتملت، في إطار الاتفاقات المبرمة بين قيادة «قسد» ودمشق.
ويمثل القرار تحولاً لافتاً في موقع مظلوم عبدي، الذي انتقل من قيادة قوة عسكرية تتمتع بنفوذ واسع في شمال شرق سوريا إلى موقع سياسي داخل مؤسسات الدولة السورية.
ويُنظر إلى تعيينه باعتباره جزءاً من الترتيبات السياسية التي رافقت اتفاق دمج قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة، بعدما توصل الطرفان إلى تفاهمات تهدف إلى إعادة توحيد المؤسسات العسكرية والإدارية في شمال شرق البلاد تحت سلطة دمشق.
وكان عبدي قد أعلن قبل أيام حل قوات سوريا الديمقراطية ككيان عسكري مستقل، في خطوة أنهت عملياً مرحلة طويلة من الإدارة العسكرية والسياسية المنفصلة في مناطق واسعة من شمال وشرق سوريا.
وتأتي الخطوة بعد اتفاقات متتالية بين دمشق وقيادة «قسد»، كان من أبرزها الاتفاق الذي نص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية، بما في ذلك القوات والأجهزة الإدارية والمنشآت الحيوية.
كما شملت الترتيبات ملفات استراتيجية في شمال شرق سوريا، بينها المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز والمؤسسات المدنية، إلى جانب دمج القوات التابعة لقسد ضمن تشكيلات الجيش السوري.
ويحمل تعيين عبدي أهمية خاصة بالنسبة إلى مستقبل العلاقة بين دمشق والمكون الكردي في سوريا، إذ يشير إلى أن إنهاء الوجود العسكري المستقل لقسد لا يعني بالضرورة إبعاد قياداتها عن المشهد السياسي، وإنما يمكن أن يتحول بعض أبرز قادتها إلى أدوار داخل مؤسسات الدولة.
وكان المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم باراك قد رحب في وقت سابق بعملية دمج قوات قسد، معتبراً أن الاتفاق يمثل نموذجاً للتوصل إلى حل سياسي بين أطراف كانت لديها رؤى مختلفة بشأن مستقبل البلاد.
ويأتي انتقال عبدي إلى العمل السياسي في وقت تسعى فيه القيادة السورية الجديدة إلى توسيع سيطرة الدولة على كامل الأراضي السورية وإنهاء مظاهر الانقسام العسكري والإداري التي نشأت خلال سنوات الحرب.
ويشكل ملف شمال شرق سوريا أحد أكثر الملفات تعقيداً أمام دمشق، بسبب وجود قوات كردية مسلحة، وارتباطها السابق بالدعم الأمريكي، إضافة إلى المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للمنطقة، خصوصاً النفط والغاز والمعابر الحدودية.
كما أن دمج قسد ضمن مؤسسات الدولة يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقة بين دمشق والأكراد، بعد سنوات من وجود إدارة ذاتية وقوة عسكرية مستقلة في مناطق واسعة من شمال وشرق البلاد.
وكان مظلوم عبدي من أبرز الشخصيات العسكرية الكردية في سوريا خلال السنوات الماضية، وارتبط اسمه بقيادة قوات سوريا الديمقراطية في المعارك ضد تنظيم داعش، كما أصبح أحد أهم الأطراف في المفاوضات المتعلقة بمستقبل المناطق التي كانت تخضع لسيطرة القوات الكردية.
وبموجب الترتيبات الجديدة، لم يعد عبدي قائداً لقوة عسكرية مستقلة، وإنما أصبح مسؤولاً سياسياً داخل مؤسسة الرئاسة السورية، وهو تحول يعكس طبيعة المرحلة الجديدة التي تدخلها البلاد.
ويرى مراقبون أن تعيينه قد يساعد دمشق في الحفاظ على قنوات اتصال مباشرة مع القيادات الكردية، كما يمكن أن يمنح المكون الكردي شخصية ذات نفوذ وخبرة طويلة داخل مؤسسات الدولة الجديدة.
وفي المقابل، يمثل القرار بالنسبة إلى دمشق خطوة إضافية نحو تحويل اتفاقات الدمج من تفاهمات عسكرية إلى ترتيبات سياسية ومؤسساتية أكثر رسوخاً.
وتبقى كيفية تنفيذ عملية الدمج على الأرض أحد أهم الاختبارات المقبلة، خصوصاً فيما يتعلق بوضع المقاتلين السابقين في قسد، وتسلسل القيادة داخل الجيش السوري، وترتيبات إدارة المناطق الشمالية الشرقية، إضافة إلى مصير المؤسسات التي كانت تديرها الإدارة الذاتية.
ويكتسب الملف أيضاً أهمية إقليمية، إذ تتابع تركيا عن كثب مستقبل قوات سوريا الديمقراطية، نظراً إلى ارتباطها بحزب العمال الكردستاني وفق الموقف التركي، ومخاوف أنقرة من وجود كيان كردي مسلح قرب حدودها.
ومن شأن انتقال مظلوم عبدي إلى موقع سياسي داخل الرئاسة السورية أن يغير طبيعة التعامل مع هذه القضية، إذ لم يعد الرجل قائداً لقوة عسكرية منفصلة، بل أصبح جزءاً من الهيكل السياسي للدولة السورية.
وفي الوقت نفسه، يمكن أن يشكل تعيينه محاولة للحفاظ على التوازن بين مطلب دمشق باستعادة السيادة الكاملة على شمال شرق سوريا وبين ضمان مشاركة القيادات الكردية في المرحلة السياسية المقبلة.
وتؤكد الخطوة أن عملية دمج قسد لم تقتصر على نقل المقاتلين إلى تشكيلات عسكرية تابعة للدولة، بل تمتد إلى إعادة صياغة موقع القيادات التي كانت تدير المنطقة سياسياً وعسكرياً.
ومع تعيين مظلوم عبدي مستشاراً للرئاسة، تبدو دمشق أمام مرحلة جديدة من اختبار قدرتها على دمج الأطراف المسلحة السابقة ضمن مؤسسات الدولة دون إعادة إنتاج الانقسامات التي شهدتها سوريا خلال سنوات الحرب.
أما بالنسبة إلى عبدي، فإن الانتقال من قيادة قوات سوريا الديمقراطية إلى موقع مستشار للرئاسة يمثل تحولاً كبيراً من العمل العسكري إلى العمل السياسي، ويضعه أمام مسؤولية المشاركة في صياغة مرحلة جديدة من علاقة الدولة السورية بالمكون الكردي.
ومن المتوقع أن تظل قضايا الحقوق السياسية والثقافية للأكراد، ومستقبل الإدارة المحلية، وترتيبات الأمن في شمال شرق سوريا، من أبرز الملفات التي ستحدد نجاح عملية الاندماج خلال الفترة المقبلة.
وبذلك، لا يمثل تعيين مصطفى خليل عبدي، المعروف بمظلوم عبدي، مجرد تغيير في منصبه، بل يعكس تحولاً أوسع في المشهد السوري، حيث تنتقل شخصيات كانت تدير مناطق وقوات خارج مؤسسات الدولة إلى مواقع داخل مؤسسات دمشق، في إطار محاولة إعادة بناء الدولة وتوحيد مراكز القرار السياسي والعسكري.











