واشنطن- المنشر_الاخباري
لم تعد المخاوف بشأن كلفة الحرب على إيران تأتي من خصوم واشنطن فقط، بل بدأت تتصاعد من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية نفسها. تحذيرات غير معتادة من كبار القادة العسكريين تضع إدارة الرئيس دونالد ترامب أمام مأزق متزايد: استمرار العمليات العسكرية ضد إيران يفرض ضغوطًا شديدة على السفن والطائرات والذخائر، بينما قد يؤدي تمديد الحرب إلى إضعاف قدرة الولايات المتحدة على التعامل مع أزمات أخرى في أوروبا وآسيا وحتى حماية الأراضي الأمريكية.
وتكشف تقييمات عسكرية سرية عن قلق متزايد من أن استمرار العمليات واسعة النطاق ضد إيران أصبح يمثل عبئًا على الاستعداد العسكري الأمريكي، خصوصًا مع طول فترة الانتشار واحتفاظ أعداد كبيرة من القوات بحالة تأهب مستمرة.
اعتراضات نادرة داخل البنتاغون
القضية الأكثر إثارة للانتباه هي أن التحذيرات لم تأتِ من محللين أو مسؤولين سابقين، وإنما من قيادات عسكرية رفيعة المستوى.
فقد أبدى قادة الجيش والبحرية والقوات الجوية، إلى جانب قيادات عسكرية مسؤولة عن مناطق استراتيجية مثل أوروبا والمحيطين الهندي والهادئ وأمريكا الجنوبية، اعتراضات رسمية على بعض توجيهات وزير الحرب بيت هيغسيث.
ورغم أن القادة ملزمون بتنفيذ الأوامر، فإن تسجيل ما يعرف بـ”عدم الموافقة” يمثل إشارة نادرة إلى حجم القلق بشأن استمرار العمليات العسكرية وكلفتها على منظومة الجاهزية الأمريكية.
المشكلة، وفق هذه التقييمات، لا تتعلق فقط بحجم القوات الموجودة في الشرق الأوسط، وإنما بما يتم سحبه من موارد عسكرية من مناطق أخرى لتغطية احتياجات الحرب.
البحرية تدفع الثمن الأكبر
وتظهر تداعيات الاستنزاف بوضوح في البحرية الأمريكية، التي تواجه ضغوطًا متزايدة بسبب الانتشار المتواصل للسفن والأطقم.
وتشير التقييمات إلى أن نحو ربع مدمرات البحرية الأمريكية فقط أصبح جاهزًا للانتشار، في تراجع كبير مقارنة بمستويات الجاهزية السابقة للحرب.
ويمثل هذا الرقم مصدر قلق استراتيجي، لأن المدمرات تعد من أهم أدوات القوة البحرية الأمريكية، وتستخدم في مهام الدفاع الجوي وحماية الأساطيل وتنفيذ العمليات بعيدة المدى.
ومع استمرار الحرب، تحتاج السفن إلى مزيد من الصيانة وإعادة التجهيز، بينما تتطلب الأطقم فترات للتدريب والراحة وإعادة الاستعداد.
مخزونات الصواريخ تحت الضغط
الأزمة لا تتوقف عند السفن.
فالعمليات العسكرية والدفاعية المكثفة أدت إلى استهلاك كميات كبيرة من الذخائر، فيما تعرضت مخزونات صواريخ الاعتراض لضغوط متزايدة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى منظومات باتريوت وثاد، التي تمثل جزءًا أساسيًا من شبكة الدفاع الجوي الأمريكية في المنطقة.
وتأتي هذه الضغوط بعد سنوات من الدعم العسكري الأمريكي لأوكرانيا، ما يعني أن مخزونات واشنطن من بعض أنواع الذخائر وأنظمة الاعتراض كانت تواجه أصلًا تحديات مرتبطة بالإنتاج وإعادة التعبئة.
خسائر في الطائرات المسيّرة
كما تعرضت القوات الجوية لخسائر في طائراتها المسيّرة.
وتشير التقييمات إلى فقدان نحو ربع أسطول طائرات Reaper خلال الحرب، بالتزامن مع استمرار تعرض القواعد والمنشآت الأمريكية في المنطقة للهجمات.
ويعني ذلك أن واشنطن لا تواجه فقط تكلفة تشغيلية مرتبطة بالوقود والصيانة والانتشار، وإنما تضطر أيضًا إلى تعويض معدات عسكرية متطورة تعرضت للتدمير أو الاستنزاف.
ماذا يحدث إذا اندلعت أزمة جديدة؟
هنا تكمن أخطر نقطة في التحذيرات.
فالولايات المتحدة لا تواجه تهديدًا واحدًا فقط، ولديها قوات ومصالح عسكرية في مناطق متعددة حول العالم.
في أوروبا، تحتاج واشنطن إلى الحفاظ على قدرات ردع قوية في مواجهة روسيا، بينما تمثل منطقة المحيطين الهندي والهادئ أولوية متزايدة في ظل المنافسة مع الصين.
وبالتالي، فإن استمرار سحب السفن والطائرات والذخائر من هذه المناطق لدعم الحرب على إيران يمكن أن يقلص هامش المناورة الأمريكي في حال اندلاع أزمة مفاجئة في مكان آخر.
ويخشى قادة عسكريون من أن تتحول الحرب من عملية عسكرية محدودة زمنيًا إلى نزيف مستمر في الموارد والجاهزية.
إيران تصمد.. والحرب تطول
وتزداد المعضلة تعقيدًا مع استمرار إيران في رفض الخضوع للضغوط الأمريكية.
فالاستراتيجية التي كان يُفترض أن تؤدي إلى تحقيق أهداف سياسية وعسكرية واضحة لم تنتج، حتى الآن، نهاية سريعة للصراع.
ومع مرور الأشهر، أصبح السؤال أكثر إلحاحًا داخل واشنطن: إذا لم تؤدِ الضغوط العسكرية إلى نتيجة حاسمة، فإلى متى يمكن الاستمرار في استخدام الموارد العسكرية بهذا المعدل؟
ويرى منتقدو إدارة ترامب أن استمرار الحرب دون جدول زمني واضح قد يحولها إلى مواجهة طويلة تستنزف القدرات الأمريكية بدل أن تحقق حسمًا استراتيجيًا.
روسيا والصين في دائرة الحسابات
ولا تخفي الأوساط العسكرية الأمريكية مخاوفها من أن يراقب خصوم واشنطن هذا الاستنزاف عن كثب.
فالصين تتابع قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على قوتها في المحيطين الهندي والهادئ، بينما تراقب روسيا حجم الموارد التي تستطيع واشنطن إبقاءها متاحة لأوروبا.
وفي حال أصبحت أعداد كبيرة من السفن والطائرات والقوات مرتبطة بالحرب مع إيران، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى توزيع قدراتها على جبهات متعددة في وقت واحد.
وهنا يمكن أن تتحول أزمة الجاهزية من مشكلة عسكرية داخلية إلى ورقة استراتيجية في حسابات خصوم واشنطن.
البنتاغون يرفض الحديث عن الخلافات
من جانبه، لم يقدم البنتاغون تفاصيل بشأن التقييمات السرية أو الاعتراضات العسكرية، مؤكدًا أن قرارات نشر القوات تستند إلى تقييمات التهديدات والأولويات الاستراتيجية التي تحددها القيادة السياسية، إلى جانب المشورة العسكرية.
لكن نفي الخوض في التفاصيل لم يبدد التساؤلات التي أثارتها الاعتراضات المنسوبة إلى كبار القادة.
فإذا كانت الحرب قد بدأت تتحول إلى عبء على جاهزية القوات الأمريكية، فإن استمرارها لفترة أطول قد يضع القيادة السياسية أمام معادلة أكثر صعوبة.
السؤال الأصعب أمام ترامب
في النهاية، لا يتعلق الجدل فقط بما إذا كان الجيش الأمريكي قادرًا على مواصلة الحرب.
السؤال الأكبر هو ما الذي تخسره الولايات المتحدة في أماكن أخرى مقابل استمرارها؟
فكل سفينة تبقى في الشرق الأوسط، وكل صاروخ اعتراض يُستهلك، وكل طائرة تُفقد، وكل وحدة عسكرية تمدد فترة انتشارها، يعني موارد أقل متاحة لسيناريوهات أخرى.
ومع استمرار الحرب دون نهاية واضحة، تتصاعد المخاوف من أن تتحول القوة العسكرية الهائلة التي تعتمد عليها واشنطن لتحقيق أهدافها إلى عامل ضغط عليها نفسها.
فهل تستطيع الولايات المتحدة مواصلة حرب إيران دون أن تدفع ثمنًا استراتيجيًا في أوروبا وآسيا والدفاع عن أراضيها؟ أم أن الإنذارات القادمة من داخل الجيش تكشف أن الحرب بدأت تستنزف القوة التي تحتاجها واشنطن لمواجهة بقية العالم؟










