تل أبيب- المنشر_الاخباري
أشعل قرار الحكومة الفنلندية تمديد التعاون العسكري مع إسرائيل موجة غضب داخل البلاد، بعدما كشفت تقارير عن توقيع مذكرة تفاهم جديدة تُبقي التعاون الدفاعي بين هلسنكي وتل أبيب قائمًا حتى عام 2034، في وقت تتعرض فيه إسرائيل لانتقادات دولية واسعة بسبب الحرب في غزة.
وجاء الكشف عن الاتفاق في وقت حساس سياسيًا، إذ اتهمت أحزاب المعارضة الحكومة الفنلندية باتباع سياسة متناقضة تجاه إسرائيل؛ ففي الوقت الذي تتزايد فيه الدعوات الأوروبية لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة بشأن الحرب في غزة، اختارت الحكومة، وفقًا للتقارير، توسيع التعاون العسكري مع تل أبيب بدلًا من تقليصه.
اتفاق عسكري بعيدًا عن الأضواء
وبحسب هيئة الإذاعة والتلفزيون الفنلندية Yle، وقعت الحكومة الفنلندية مذكرة تفاهم بشأن التعاون العسكري مع إسرائيل، تتضمن مجالات البحث والتطوير وشراء المعدات والأنظمة الدفاعية، وتمتد حتى عام 2034.
وكانت فنلندا قد اقترحت تجديد الاتفاق في عام 2024، مع اقتراب انتهاء اتفاق سابق مدته خمس سنوات.
لكن طريقة التعامل مع الاتفاق أثارت أسئلة داخلية، بعدما أفادت التقارير بأن مذكرة التفاهم الجديدة لم تُحال إلى وزارة الخارجية الفنلندية بالطريقة نفسها التي جرى بها التعامل مع الاتفاق السابق عام 2019.
وهذا الأمر دفع المعارضة إلى المطالبة بتوضيحات حول الجهات التي كانت على علم بالاتفاق، والسبب وراء عدم الإعلان عنه بصورة واضحة.
«عار تاريخي» يلاحق الحكومة
رئيسة حزب الخضر الفنلندي صوفيا فيرتا وصفت سياسة الحكومة تجاه إسرائيل بأنها «عار تاريخي»، منتقدة استمرار التعاون العسكري في وقت كانت فيه المعارضة تطالب بزيادة الضغط على الحكومة الإسرائيلية.
وقالت فيرتا إن المفارقة تكمن في أنه «عندما طالبنا بالضغط على إسرائيل، شددت الحكومة التعاون» معها.
أما حزب التحالف اليساري، فأعلن أن نوابه يعتزمون تقديم سؤال برلماني للحصول على معلومات بشأن الاتفاق، ومن كان مطلعًا عليه، وما الذي تنوي الحكومة فعله بشأن تجارة الأسلحة مع إسرائيل.
وتساءلت زعيمة الحزب مينيا كوسكيلا عن سبب عدم الإعلان عن الاتفاق، ووصفت طريقة تعامل الحكومة معه بأنها «مخزية بشكل لا يحتمل».
تعاون عسكري يتجاوز مذكرة التفاهم
ولا تمثل المذكرة الجديدة بداية العلاقات الدفاعية بين فنلندا وإسرائيل، بل تأتي في إطار تعاون عسكري قائم منذ سنوات.
ومن أبرز الصفقات حصول فنلندا على نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي David’s Sling في صفقة تجاوزت قيمتها 300 مليون يورو، تمت الموافقة عليها قبل وقت قصير من اندلاع حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
كما ترتبط شركة الصناعات الدفاعية الفنلندية Patria بتعاون مع شركات إسرائيلية في مجال الأنظمة العسكرية الخاصة بالمركبات المدرعة، بما في ذلك منظومة الحماية النشطة Trophy التابعة لشركة رافائيل، إلى جانب أنظمة مضادة للدروع.
وتنص مذكرة التفاهم الجديدة كذلك على إنشاء مجموعة تنسيق مشتركة بين فنلندا وإسرائيل، يفترض أن تجتمع مرة واحدة على الأقل كل عام.
«بوابة إسرائيل إلى أوروبا والناتو»
وتكتسب هذه الشراكة أهمية إضافية بسبب موقع فنلندا داخل حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.
وفي تصريحات سابقة نقلتها صحيفة جيروزاليم بوست، وصف مسؤول بوزارة الدفاع الإسرائيلية فنلندا بأنها «بوابة إسرائيل إلى الناتو والأسواق الأوروبية».
وتعكس العبارة الأهمية التي توليها إسرائيل للعلاقات الدفاعية مع هلسنكي، خصوصًا بعد انضمام فنلندا إلى الناتو، وما يوفره ذلك من فرص أوسع للتعاون العسكري والتكنولوجي بين إسرائيل والمؤسسات الدفاعية الأوروبية.
المعارضة تضع الحكومة أمام اختبار صعب
وترى المعارضة الفنلندية أن استمرار التعاون العسكري مع إسرائيل يضع الحكومة أمام تناقض واضح بين سياستها المعلنة تجاه الحرب في غزة وبين علاقاتها الدفاعية مع تل أبيب.
ويأتي ذلك بينما تشهد أوروبا نقاشًا متصاعدًا بشأن مبيعات الأسلحة لإسرائيل، ومستقبل العلاقات السياسية والعسكرية معها، في ظل ارتفاع أعداد الضحايا الفلسطينيين واستمرار الدمار في قطاع غزة.
وتقول أحزاب المعارضة إن الحكومة مطالبة بالكشف عن تفاصيل الاتفاق، وشرح الأساس القانوني والسياسي لتوقيعه، وتحديد ما إذا كانت ستراجع صفقات الأسلحة والتعاون الدفاعي في ضوء التطورات في الأراضي الفلسطينية.
أزمة سياسية تتجاوز حدود فنلندا
القضية لا تبدو مجرد خلاف داخلي حول مذكرة عسكرية، بل تعكس انقسامًا أوسع داخل أوروبا حول كيفية التعامل مع إسرائيل.
فبينما تتجه بعض الحكومات الأوروبية نحو انتقاد أكثر حدة للسياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، لا تزال علاقات عسكرية وأمنية وتجارية واسعة قائمة بين عدد من الدول الأوروبية وإسرائيل.
ومن هنا، يمكن أن يتحول الاتفاق الفنلندي إلى قضية سياسية ساخنة داخل البلاد، خصوصًا إذا طالبت المعارضة بربط التعاون العسكري بالموقف الفنلندي من الحرب والحقوق الفلسطينية.
وبينما تدافع الحكومة عن علاقاتها الدفاعية باعتبارها جزءًا من المصالح الأمنية والاستراتيجية لفنلندا، ترى المعارضة أن توقيت الاتفاق وطريقة إبرامه يجعلان منه قضية تتطلب قدرًا أكبر من الشفافية والمساءلة.
وهكذا تجد هلسنكي نفسها أمام معادلة صعبة: كيف تحافظ على تعاونها العسكري مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه تواجه الضغوط السياسية والحقوقية المتزايدة داخل أوروبا بشأن الحرب في غزة؟
وقد يكون السؤال الأهم خلال المرحلة المقبلة ليس فقط ما إذا كانت مذكرة التعاون ستستمر حتى عام 2034، بل ما إذا كان الضغط السياسي الداخلي في فنلندا سيدفع الحكومة إلى إعادة النظر في حجم وطبيعة علاقاتها العسكرية مع إسرائيل.










