بغداد- المنشر_الاخباري
دخل ملف السلاح المنفلت في العراق مرحلة جديدة من التجاذب السياسي والأمني، بعدما قررت بغداد تأجيل الموعد المستهدف لحسم ملف الفصائل المسلحة إلى نهاية العام، في خطوة تعكس صعوبة التوصل إلى اتفاق سريع بشأن مستقبل جماعات تمتلك نفوذاً عسكرياً وسياسياً واسعاً داخل البلاد.
وكانت الحكومة العراقية تسعى إلى وضع إطار واضح لمستقبل السلاح خارج المؤسسات الرسمية، في محاولة لتعزيز سلطة الدولة وترسيخ مبدأ حصر القرارين الأمني والعسكري بالمؤسسات الحكومية. إلا أن المفاوضات مع الفصائل المسلحة اصطدمت بشروط ومطالب جعلت الوصول إلى تسوية نهائية أكثر تعقيداً.
ويكتسب الملف حساسية خاصة بسبب ارتباط عدد من أبرز الفصائل العراقية بعلاقات وثيقة مع إيران، فضلاً عن امتلاكها قدرات عسكرية ونفوذاً سياسياً يجعل التعامل معها مختلفاً عن أي ملف أمني تقليدي.
مهلة جديدة بدل الحسم
بدلاً من تنفيذ خطوات سريعة لنزع السلاح، اختارت بغداد منح نفسها والفصائل مزيداً من الوقت للتفاوض. وتم تمديد المهلة إلى نهاية العام، في محاولة لتجنب مواجهة مباشرة قد تؤدي إلى توتر أمني أو سياسي واسع.
ويعكس التأجيل إدراك الحكومة أن معالجة الملف بالقوة ليست خياراً سهلاً، خصوصاً في ظل وجود الفصائل ضمن منظومة سياسية وأمنية معقدة تشكلت خلال سنوات الحرب على تنظيم داعش.
وتقول الرؤية الحكومية إن الهدف النهائي يتمثل في تنظيم السلاح داخل الدولة، سواء من خلال دمج العناصر المسلحة في المؤسسات الرسمية أو إعادة تحديد مهام التشكيلات التي تعمل ضمن الإطار القانوني، بما يمنع وجود قوة عسكرية مستقلة عن القرار الرسمي.
لكن الفصائل لا تنظر إلى المسألة بالطريقة نفسها.
شروط الفصائل تعقّد المشهد
وضعت جماعات مسلحة شروطاً للمضي في أي ترتيبات جديدة بشأن السلاح، ما جعل المفاوضات تتحرك ببطء. وتتمسك بعض الفصائل بأن مستقبل سلاحها لا يمكن فصله عن التطورات الإقليمية، ولا سيما التهديدات التي ترى أنها تواجه العراق والمنطقة.
ويثير هذا الموقف سؤالاً أساسياً حول الجهة التي تمتلك القرار النهائي بشأن استخدام القوة داخل الأراضي العراقية.
ففي الدولة الحديثة، يفترض أن تكون القوات المسلحة والأجهزة الأمنية خاضعة لقرار الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة. إلا أن وجود جماعات تمتلك السلاح والقدرة على التحرك العسكري بصورة مستقلة نسبياً يخلق منطقة رمادية بين الدولة والقوى المسلحة.
وهنا تكمن صعوبة المهمة أمام بغداد.
فالحكومة لا تتعامل فقط مع تشكيلات عسكرية، بل مع قوى لها تمثيل سياسي وشبكات نفوذ اجتماعية واقتصادية، ما يجعل أي قرار يتعلق بسلاحها مرتبطاً بشكل مباشر بالتوازنات الداخلية في العراق.
لماذا يصعب على بغداد فرض القرار؟
على الرغم من امتلاك الحكومة العراقية مؤسسات عسكرية وأمنية كبيرة، فإن فرض نزع السلاح بالقوة قد يفتح الباب أمام صدام داخلي لا ترغب بغداد في خوضه.
وتدرك الحكومة أن أي مواجهة مع فصيل مسلح قد تتحول سريعاً إلى أزمة سياسية، خصوصاً إذا امتدت تداعياتها إلى قوى سياسية متحالفة معه.
كما أن التجربة العراقية خلال السنوات الماضية أظهرت أن ملف الفصائل المسلحة لا يمكن التعامل معه باعتباره قضية أمنية فقط. فالسلاح أصبح جزءاً من منظومة سياسية أوسع، تتداخل فيها الحسابات الداخلية مع العلاقات الإقليمية.
وتزداد المعادلة تعقيداً مع ارتباط عدد من هذه الجماعات بمحور إقليمي تقوده إيران، ما يجعل أي محاولة لإعادة ترتيب وضعها محل اهتمام إقليمي ودولي.
بين الدولة والواقع السياسي
من الناحية القانونية، تؤكد بغداد باستمرار أهمية حصر السلاح بيد الدولة. لكن تطبيق هذا المبدأ على أرض الواقع يتطلب تفاهمات سياسية واسعة.
ولهذا تبدو الحكومة أمام خيارين رئيسيين: التوصل إلى اتفاق تدريجي مع الفصائل، أو الدخول في مواجهة مفتوحة لفرض القرار.
الخيار الأول قد يستغرق وقتاً طويلاً، لكنه يتيح لبغداد معالجة الملف بأقل قدر ممكن من التوتر. أما الخيار الثاني فيحمل مخاطر كبيرة، وقد يؤدي إلى اضطرابات أمنية ويضع الحكومة أمام اختبار صعب لمدى قدرتها على السيطرة على جميع مناطق البلاد.
ومن هنا يمكن فهم قرار تمديد المهلة إلى نهاية العام باعتباره محاولة لمنح المفاوضات فرصة إضافية.
هل يمثل التأجيل ضعفاً أم مناورة سياسية؟
يرى مراقبون أن التأجيل يمكن تفسيره بطريقتين مختلفتين.
الأولى أنه يعكس ضعف قدرة الحكومة على فرض قرارها على فصائل مسلحة تتمتع بقوة عسكرية وسياسية. ووفق هذا التفسير، فإن وضع شروط من جانب الفصائل ثم تأجيل الموعد النهائي يعني أن بغداد اضطرت إلى التراجع عن الحسم السريع.
أما التفسير الثاني فيرى أن التأجيل قد يكون جزءاً من استراتيجية تفاوضية تهدف إلى الوصول إلى حل تدريجي بدلاً من الدخول في مواجهة يصعب التحكم بنتائجها.
وفي الحالتين، يبقى الاختبار الحقيقي مرتبطاً بما سيحدث مع اقتراب نهاية العام.
ماذا ينتظر العراق؟
إذا نجحت الحكومة في التوصل إلى صيغة توافقية، فقد يشكل ذلك خطوة مهمة نحو إعادة تنظيم المشهد الأمني وتعزيز سلطة مؤسسات الدولة.
أما إذا انتهت المهلة الجديدة من دون اتفاق، فقد يجد العراق نفسه أمام أزمة أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا رفضت بعض الفصائل أي ترتيبات تقلص قدراتها العسكرية أو استقلالية قرارها.
وفي هذه الحالة، لن يكون السؤال فقط حول مستقبل السلاح، وإنما حول مستقبل العلاقة بين القوى المسلحة والدولة نفسها.
كما أن قدرة بغداد على إدارة الملف ستؤثر في صورة العراق أمام المجتمع الدولي والمستثمرين، خصوصاً أن الاستقرار الأمني والسياسي يمثل عاملاً أساسياً في جذب الاستثمارات وتنفيذ مشاريع البنية التحتية وإعادة تنشيط الاقتصاد.
اختبار لسيادة الدولة
يختصر ملف السلاح أحد أكبر التحديات التي تواجه العراق في المرحلة الحالية: كيف يمكن للدولة أن تستوعب قوى مسلحة نشأت في ظروف استثنائية، من دون أن يؤدي تفكيكها المفاجئ إلى أزمة أمنية جديدة؟
الإجابة لن تكون سهلة، خصوصاً أن بعض الفصائل تعتبر نفسها جزءاً من منظومة الدفاع عن البلاد، بينما ترى أطراف أخرى أن استمرار السلاح خارج القرار الحكومي يمثل تهديداً لسيادة الدولة.
وبين هذين الموقفين، تحاول بغداد الوصول إلى صيغة تحفظ الاستقرار وتمنح مؤسسات الدولة قدرة أكبر على التحكم بالقرار الأمني.
ومع تمديد المهلة إلى نهاية العام، لم يُغلق ملف السلاح، بل دخل مرحلة تفاوضية جديدة قد تكون حاسمة.
فإذا تمكنت الحكومة من إقناع الفصائل بقبول ترتيبات تضع السلاح تحت سلطة الدولة، فقد تتحول الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء التوازن الأمني والسياسي في العراق.
أما إذا استمرت الشروط والرفض المتبادل، فقد يصبح التأجيل مجرد محطة جديدة في أزمة طويلة، ويزداد السؤال إلحاحاً: من يملك القرار النهائي بشأن السلاح في العراق؟
في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بنزع السلاح أو الإبقاء عليه، بل بمفهوم الدولة نفسه. فنجاح بغداد في هذا الملف سيقاس بقدرتها على تحويل مبدأ حصر السلاح بيد الدولة من شعار سياسي إلى واقع عملي، من دون إشعال مواجهة داخلية جديدة.
نهاية العام قد لا تكون مجرد موعد جديد، بل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الدولة العراقية على فرض سلطتها وإدارة نفوذ الفصائل المسلحة ضمن إطار سياسي وقانوني واحد.









