لندن – المنشر_الاخباري
في خطوة تعكس تصاعد الانقسام في المشهد الدولي، وجهت منظمة شنغهاي للتعاون رسالة سياسية قوية إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، بعدما تبنى قادة الدول الأعضاء بياناً مشتركاً أدان الهجمات العسكرية على إيران، ورفض العقوبات الأمريكية الأحادية، مؤكداً أن استخدام القوة خارج إطار القانون الدولي يهدد الأمن والاستقرار العالميين ويدفع النظام الدولي نحو مزيد من الاستقطاب.
وجاءت هذه المواقف خلال القمة السنوية للمنظمة، التي شارك فيها قادة الدول الأعضاء، بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني شي جين بينغ، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، إلى جانب قادة الهند وباكستان ودول آسيا الوسطى، حيث ناقشوا ملفات الأمن والطاقة والاقتصاد والتعاون الإقليمي في ظل التوترات الدولية المتصاعدة.
وأكد البيان الختامي للقمة أن الضربات العسكرية التي تعرضت لها إيران وأسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين وإلحاق أضرار بالبنية التحتية والاقتصاد، تمثل انتهاكاً واضحاً لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي، داعياً إلى احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها والامتناع عن استخدام القوة في حل النزاعات.
وشدد قادة المنظمة على أن استمرار العمليات العسكرية الأحادية يهدد الأمن الإقليمي والدولي، ويزيد من احتمالات اتساع رقعة الصراعات، مطالبين المجتمع الدولي بالعودة إلى الحوار والدبلوماسية باعتبارهما السبيل الوحيد لمعالجة الأزمات.
ولم تقتصر الرسائل على الجانب الأمني، إذ تضمن البيان موقفاً واضحاً من العقوبات الاقتصادية، حيث رفضت الدول الأعضاء العقوبات الأحادية المفروضة خارج إطار مجلس الأمن الدولي، معتبرة أنها تخالف القانون الدولي وتستخدم كوسيلة للضغط السياسي، كما تلحق أضراراً بالاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
وأكدت المنظمة أن العقوبات لم تعد تستهدف الحكومات وحدها، بل أصبحت تؤثر بصورة مباشرة على الشعوب والاقتصادات الوطنية، داعية إلى إصلاح النظام المالي الدولي وإنهاء استخدام الأدوات الاقتصادية لتحقيق أهداف سياسية.
وفي هذا السياق، شدد القادة على أهمية تعزيز استخدام العملات الوطنية في التبادل التجاري بين الدول الأعضاء، وتقليص الاعتماد على الدولار الأمريكي، بما يحد من تأثير العقوبات الغربية ويعزز استقلالية الاقتصادات الوطنية.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكد في كلمته أن منظمة شنغهاي أصبحت اليوم أكبر منظمة إقليمية في العالم من حيث عدد السكان، إذ تمثل نحو نصف سكان العالم، كما تساهم بما يقارب ثلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي، الأمر الذي يمنحها ثقلاً سياسياً واقتصادياً متزايداً.
وأشار بوتين إلى أن التعاون بين الدول الأعضاء يشهد توسعاً مستمراً في مجالات الطاقة والصناعة والنقل والتكنولوجيا والأمن، مؤكداً أن موسكو تدعم توسيع استخدام العملات المحلية في المبادلات التجارية، باعتباره أحد أهم أدوات بناء نظام اقتصادي عالمي أكثر توازناً.
من جانبه، شدد الرئيس الصيني شي جين بينغ على أن العلاقات بين الصين وروسيا تشهد نمواً متسارعاً، وأن الشراكة داخل منظمة شنغهاي أصبحت ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار والتنمية في القارة الآسيوية، داعياً إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري وتطوير البنية التحتية والممرات التجارية.
أما الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، فاعتبر أن البيان الختامي يعكس رفضاً متزايداً للسياسات الأحادية، مؤكداً أن بلاده ترى في منظمة شنغهاي شريكاً استراتيجياً في مواجهة الضغوط السياسية والاقتصادية.
وقال بزشكيان إن العالم بحاجة إلى نظام دولي يقوم على احترام سيادة الدول والمساواة بينها، وليس على فرض الإرادات بالقوة أو العقوبات، مؤكداً أن بلاده ستواصل العمل مع شركائها لتعزيز التعددية القطبية وتوسيع التعاون الاقتصادي والأمني.
كما دعا إلى تفعيل دور الأمم المتحدة ومؤسساتها في حفظ السلم والأمن الدوليين، معتبراً أن ازدواجية المعايير في التعامل مع الأزمات الدولية أضعفت الثقة بالنظام الدولي القائم.
وعلى الصعيد الأمني، شدد البيان على ضرورة مكافحة الإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة من خلال التعاون الجماعي، مع رفض استخدام هذه الملفات ذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول أو لتحقيق مكاسب جيوسياسية.
وأكدت الدول الأعضاء كذلك أهمية الحفاظ على الفضاء الخارجي للأغراض السلمية، وتسريع الجهود الدولية للتوصل إلى اتفاق يمنع سباق التسلح في الفضاء، إضافة إلى تطوير آليات مشتركة لمواجهة التهديدات السيبرانية وحماية البنية التحتية الحيوية.
كما شهدت القمة توقيع 27 وثيقة تعاون شملت مجالات الأمن والاقتصاد والطاقة والنقل واللوجستيات، واعتماد خطة مشتركة لتطوير الموانئ والمراكز اللوجستية خلال الفترة بين عامي 2026 و2030، بهدف تعزيز الترابط الاقتصادي بين دول المنظمة.
ويرى مراقبون أن البيان الصادر عن القمة يمثل أحد أكثر المواقف السياسية وضوحاً التي تتبناها منظمة شنغهاي تجاه السياسات الأمريكية والإسرائيلية في السنوات الأخيرة، ويؤكد سعي المنظمة إلى ترسيخ دورها كقطب دولي مؤثر في مواجهة الهيمنة الغربية على النظامين السياسي والاقتصادي.
ويأتي هذا الموقف في وقت تشهد فيه العلاقات بين القوى الكبرى توترات متزايدة، وسط تصاعد الدعوات إلى بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب يمنح الدول الصاعدة دوراً أكبر في صنع القرار الدولي، ويحد من استخدام العقوبات والإجراءات الأحادية كأدوات لإدارة الصراعات الدولية.










