طهران – المنشر_الاخباري
في الوقت الذي تصعّد فيه الولايات المتحدة ضغوطها الاقتصادية والمالية على إيران، تتحرك طهران في اتجاه معاكس، عبر توسيع شبكة علاقاتها التجارية والمالية داخل آسيا، ومحاولة تحويل منظمة شنغهاي للتعاون من إطار سياسي وأمني إلى منصة أكثر فاعلية للتجارة والتمويل والطاقة.
وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة بعد قمة منظمة شنغهاي في العاصمة القرغيزية بشكيك، حيث طرح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان حزمة من المبادرات الاقتصادية التي تستهدف تقليل الاعتماد على النظام المالي الغربي، في مقدمتها التوسع في استخدام العملات الوطنية، وإنشاء بنك للمنظمة، وتأسيس آلية مشتركة لتأمين الصادرات والاستثمارات، إلى جانب إنشاء كونسورتيوم للطاقة.
معركة تتجاوز العقوبات
بالنسبة لطهران، لم تعد مواجهة العقوبات الأميركية تقتصر على إيجاد طرق مؤقتة لتصدير النفط أو استيراد السلع، وإنما بات الهدف بناء منظومة تجارية تستطيع العمل حتى عندما تكون القنوات المالية الغربية مغلقة أو محفوفة بالمخاطر.
وهنا تأتي منظمة شنغهاي كمساحة استراتيجية لإيران، خصوصًا أنها تضم قوى اقتصادية كبرى مثل الصين والهند وروسيا، إلى جانب دول في آسيا الوسطى، ما يمنح طهران إمكانية الوصول إلى أسواق وممرات تجارية ومصادر تمويل خارج الدائرة التقليدية التي تهيمن عليها المؤسسات الغربية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن استخدام العملات الوطنية داخل المنظمة يتوسع بالفعل؛ إذ قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمة بشكيك إن حصة العملات الوطنية تجاوزت 98% من تسويات روسيا مع شركائها في منظمة شنغهاي.
وهذا الرقم يمثل بالنسبة لإيران أكثر من مجرد مؤشر مالي، فهو يقدم نموذجًا يمكن لطهران الاستفادة منه في توسيع التجارة باليوان والروبل والروبية وغيرها من العملات، بدلًا من المرور بالدولار في كل معاملة.
«بنك شنغهاي».. الحلقة المفقودة
لكن التخلص من الاعتماد على الدولار لا يتحقق بمجرد تغيير العملة المستخدمة في الدفع.
فالشركات تحتاج إلى الائتمان والضمانات وتمويل المشاريع والتأمين وآليات لتسوية المدفوعات، وهي عناصر دفعت بزشكيان إلى طرح فكرة إنشاء بنك لمنظمة شنغهاي للتعاون.
وترى طهران أن وجود مؤسسة مالية مرتبطة بالمنظمة يمكن أن يوفر قاعدة لتمويل مشروعات البنية التحتية والطاقة والنقل والصناعة، وأن يساعد في تقليل اعتماد الشركات المنخرطة في التجارة الإيرانية على المصارف الغربية.
كما طرح الرئيس الإيراني إنشاء اتحاد مشترك للتأمين على الصادرات والاستثمارات، في خطوة تستهدف معالجة جانب آخر من العقوبات، وهو المخاطر التي تواجه الشركات والمستثمرين عند التعامل مع السوق الإيرانية.
وبذلك تحاول إيران بناء منظومة متكاملة: عملة للتسوية، بنك للتمويل، تأمين للتجارة، وطاقة وممرات نقل لتحريك الاقتصاد.
الطاقة.. الورقة الأقوى
لكن الورقة الأكثر أهمية في الاستراتيجية الإيرانية تبقى الطاقة.
فمنظمة شنغهاي تجمع بين كبار منتجي النفط والغاز، مثل إيران وروسيا وكازاخستان، وبين مستهلكين عملاقين مثل الصين والهند. وهذا التداخل يمنح طهران فرصة لربط صادرات الطاقة بالاستثمارات والنقل والتكنولوجيا والأسواق الآسيوية.
ولهذا طرح بزشكيان إنشاء كونسورتيوم للطاقة داخل المنظمة، بهدف تعزيز التعاون بين الدول المنتجة والمستهلكة، وتطوير مشاريع مشتركة في مجال الطاقة.
وبالنسبة لإيران، فإن أهمية هذا المسار لا تتوقف عند بيع النفط والغاز، وإنما تمتد إلى محاولة جذب الاستثمارات وتطوير البنية التحتية وربط حقول الطاقة بشبكات النقل والأسواق الإقليمية.
الجغرافيا تتحول إلى سلاح
إلى جانب الطاقة، تمتلك إيران ميزة يصعب فرض العقوبات عليها: الموقع الجغرافي.
فالبلاد تقع بين آسيا الوسطى وروسيا والقوقاز من جهة، والخليج والمحيط الهندي وجنوب آسيا من جهة أخرى. وهذا يجعلها حلقة محتملة في سلاسل النقل التي تربط الشمال بالجنوب والشرق بالغرب.
وتراهن طهران على تطوير السكك الحديدية والموانئ والمراكز اللوجستية والممرات التجارية، بما يسمح لها بتنويع طرق التجارة وتقليل اعتمادها على عدد محدود من الموانئ أو الشركاء.
ومن منظور اقتصادي، كلما امتلكت الدولة ممرات تجارية أكثر وشركاء أكثر وأنظمة دفع أكثر تنوعًا، أصبح من الأصعب على العقوبات إغلاق جميع منافذها في وقت واحد.
الصين وروسيا والهند.. ثلاث أوراق لطهران
وتستفيد إيران من التقاء مصالح عدة قوى آسيوية، وإن كانت هذه الدول لا تشكل كتلة اقتصادية موحدة بالمعنى التقليدي.
الصين توفر سوقًا ضخمة وقدرات صناعية واستثمارية هائلة، وروسيا تمتلك موارد الطاقة والخبرة في التعامل مع العقوبات الغربية، بينما تمثل الهند سوقًا استهلاكية وصناعية ضخمة، كما أن موقع إيران مهم بالنسبة للممرات التجارية التي تربط الهند بآسيا الوسطى وروسيا.
ولهذا فإن العلاقة الإيرانية مع منظمة شنغهاي لا تعني أن طهران أصبحت بمنأى عن العقوبات الأميركية، لكنها تمنحها خيارات أوسع للمناورة الاقتصادية.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن عضوية إيران في المنظمة توفر لها غطاءً سياسيًا أوسع وفرصًا إضافية للتجارة والتسويات باليوان والروبل والعملات الوطنية، بما يمكن أن يقلل اعتمادها على النظام المالي الغربي، وإن كان لا يلغي هذا الاعتماد بالكامل.
هل تستطيع طهران كسر حصار الدولار؟
هنا تكمن المعركة الحقيقية.
فواشنطن ما زالت تمتلك أدوات مالية هائلة، والدولار يحتفظ بدور مركزي في التجارة العالمية، كما أن العقوبات الأميركية يمكن أن تستهدف المؤسسات والشركات التي تتعامل مع إيران حتى خارج الولايات المتحدة.
كما أن تحويل منظمة شنغهاي إلى منظومة مالية متكاملة يحتاج إلى وقت وتوافق بين أعضائها، خصوصًا أن مصالح الصين وروسيا والهند وإيران ليست متطابقة في جميع الملفات.
لكن ما يتغير هو طبيعة البدائل.
فما كان بالنسبة لإيران في السابق مجرد قنوات محدودة للالتفاف على العقوبات، بدأ يتحول إلى شبكة أكثر مؤسسية من العملات المحلية والتمويل والتأمين والطاقة والنقل.
وفي المقابل، تواجه إيران نفسها ضغوطًا اقتصادية شديدة؛ إذ أكد محافظ البنك المركزي الإيراني أن البلاد لا تزال تمتلك احتياطيات كافية من العملات الأجنبية، رغم العقوبات والضغوط، في وقت وصل فيه الريال إلى مستويات قياسية من الضعف وارتفع التضخم بشدة.
لذلك فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت إيران تستطيع التخلص من الدولار بين ليلة وضحاها، وإنما إلى أي مدى تستطيع تقليل اعتماد اقتصادها عليه.
قمة بشكيك تشير إلى أن طهران تراهن على الإجابة عبر الشرق: كلما اتسعت شبكة تجارتها مع الصين وروسيا والهند وآسيا الوسطى، وكلما زادت التسويات بالعملات الوطنية وتوفرت مؤسسات مالية وتأمينية بديلة، تقلصت قدرة واشنطن على استخدام النظام المالي وحده لخنق الاقتصاد الإيراني.
لكن «جدار شنغهاي» لن يلغي العقوبات الأميركية، بل قد يمنح إيران شيئًا أكثر أهمية على المدى الطويل: مزيدًا من الخيارات الاقتصادية، ومزيدًا من الطرق التي يمكن أن تمر عبرها تجارتها عندما تحاول واشنطن إغلاق الطريق الرئيسي.








