نيروبي – المنشر_الاخباري
منذ أن كان في التاسعة عشرة من عمره، اختار الياباني يوسوكي ناغاي طريقًا غير مألوف لمساعدة الصوماليين الذين يعيشون وسط الحرب، قبل أن يتحول مشروعه الشبابي إلى واحدة من أبرز المبادرات الأجنبية المتبقية في الصومال لإعادة تأهيل ودمج المنشقين عن حركة الشباب.
ويقود ناغاي منظمة «أكسبت إنترناشونال» غير الحكومية، التي عملت منذ تأسيس برامجها في الصومال مع نحو 1700 من مقاتلي حركة الشباب المحتجزين و250 منشقًا عن الحركة، فيما وسعت المنظمة نشاطها لاحقًا ليشمل دولًا ومناطق أخرى بينها اليمن والأراضي الفلسطينية وإندونيسيا.
بداية المهمة في الصومال
بدأت قصة ناغاي عام 2011، عندما أسس، وهو في التاسعة عشرة، برنامجًا مخصصًا للطلاب الصوماليين، ساعيًا إلى معالجة الأسباب التي تقف وراء التمرد المسلح الذي تقوده حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة.
وفي عام 2013، انتقل إلى مرحلة أخرى من العمل، فأنشأ برنامجًا لإعادة تأهيل أفراد العصابات الصومالية. وبعد ثلاث سنوات، تطور هذا المشروع إلى تعاون مع الحكومة الصومالية لإعادة دمج أعضاء سابقين في حركة الشباب.
وكان معلموه قد حاولوا إقناعه بالابتعاد عن هذه المهمة، محذرين من أنها شديدة الخطورة، لكنه كان يرى أن خطورة الوضع لا تعني التخلي عن محاولة تغييره.
ماذا يفعل ناغاي داخل السجون؟
تعمل منظمة «أكسبت إنترناشونال» داخل السجون وفي مركز للمنشقين عن حركة الشباب في العاصمة مقديشو، إضافة إلى مركز لإعادة التأهيل في دوسمريب، عاصمة ولاية غلمدغ.
ويعمل في هذه البرامج عشرات الموظفين؛ إذ يوجد 17 موظفًا في السجون ومركز المنشقين في مقديشو، بينما يعمل 15 آخرون في مركز دوسمريب، وفق المادة الأصلية. وتعتمد المنظمة في تمويلها على التبرعات القادمة من اليابان.
وتشمل البرامج جلسات إرشاد وتعليمًا دينيًا وتدريبًا يساعد المستفيدين على اكتساب مهارات يمكن استخدامها بعد العودة إلى المجتمع.
ويقول ناغاي إن العمل ليس سهلًا، خصوصًا مع بعض سجناء حركة الشباب الذين ما زالوا يحملون أفكارًا متطرفة، وقد يوجهون تهديدات إلى العاملين في مراكز التأهيل.
لكن المنظمة تسجل أيضًا قصص نجاح لأشخاص تمكنوا بعد إعادة تأهيلهم من العمل خياطين أو في شرطة المرور، فيما التحق آخرون بالجيش الوطني الصومالي.
«التمكين» بدلًا من «إزالة التطرف»
يتجنب ناغاي استخدام مصطلح «إزالة التطرف»، ويفضل الحديث عن «التمكين»، لأنه يرى أن إعادة بناء قدرة الشخص على الاعتماد على نفسه والاندماج في المجتمع يمكن أن تساعد في منعه من العودة إلى الجماعات المسلحة.
ويستمر برنامج إعادة التأهيل لنحو عام، ويركز على التعليم الأساسي والتدريب المهني، ومن بين المهارات التي يتعلمها المستفيدون النجارة.
ويقول ناغاي إن نحو ثلث المشاركين في البرامج أميون، وهو ما يجعلهم، بحسب تقديره، أكثر عرضة للتأثر بالأفكار المتطرفة وغسل الأدمغة. ويأمل أن يتمكن البرنامج من تحويل المقاتلين السابقين إلى ما يصفهم بـ«عناصر للسلام».
نور علي.. من مقاتل إلى مسؤول عن إعادة التأهيل
ومن أبرز قصص النجاح التي يستشهد بها ناغاي حالة نور علي، البالغ من العمر 32 عامًا، والذي أصبح بعد تجربته مع الحركة مسؤولًا عن برامج المنظمة داخل السجون.
انضم علي إلى حركة الشباب عندما كان في السابعة عشرة من عمره، بعدما قتلت القوات الحكومية شقيقه. وبعد أشهر قليلة من وجوده في صفوف الحركة، أُلقي القبض عليه وحُكم عليه بالسجن 15 عامًا.
وخلال وجوده في السجن، التقى ناغاي، الذي كان برفقة رجل دين تحدث معه عن أهمية التسامح، وهي تجربة ساعدت علي على تغيير نظرته إلى حياته ومستقبله.
وقال علي إن الشباب يحتاجون إلى التعليم والتوجيه، مشيرًا إلى أن عددًا من المقاتلين السابقين أصبحوا ينظرون إليه باعتباره نموذجًا يمكن أن يساعدهم على تغيير حياتهم.
ليس كل المنشقين ينجحون في الابتعاد
لكن تجربة ناغاي تكشف أيضًا صعوبة إبعاد المنشقين عن حركة الشباب بصورة نهائية.
ويستذكر ناغاي حالة شاب يبلغ من العمر 21 عامًا فر من الحركة في الوقت الذي كان يستعد فيه لأن يصبح منفذًا لهجوم انتحاري.
وبحسب ناغاي، كان البرنامج يسير بصورة جيدة مع الشاب، الذي أصبح أكثر انفتاحًا واجتماعية، قبل أن يتبين لاحقًا أنه عاد إلى حركة الشباب نتيجة ضغوط من والده، الذي كان من مؤيدي الحركة.
وتوضح هذه الحالة أن إعادة التأهيل لا تتوقف عند تغيير أفكار الفرد، بل تتأثر أيضًا بالأسرة والبيئة الاجتماعية التي يعود إليها.
تراجع الدعم الدولي
تأتي جهود ناغاي في وقت تراجع فيه الاهتمام الدولي ببرامج إعادة تأهيل ودمج المنشقين عن الجماعات المسلحة في الصومال.
وكانت الأمم المتحدة قد دعمت برامج إعادة الدمج في البلاد بين عامي 2013 و2024، لكنها أوقفت تمويلها في 2025.
وأرجع تقرير الأمم المتحدة النهائي جزءًا من تراجع ثقة المانحين إلى محدودية المعلومات المتاحة أمام المنظمة الدولية والجهات الدولية بشأن جوانب رئيسية من عملية إعادة الدمج.
أما الولايات المتحدة، أكبر مانح للصومال، فلم ترد على أسئلة بشأن ما إذا كانت قد مولت برامج مماثلة.
وفي الوقت الذي تستعيد فيه الحكومة الصومالية مناطق من حركة الشباب، تلجأ السلطات أحيانًا إلى علماء دين لمواجهة الخطاب المتطرف للحركة، لكن برامج إعادة دمج المقاتلين السابقين تعاني نقصًا كبيرًا في التمويل.
نقص التمويل يهدد برامج إعادة الدمج
وقالت مارتين زويثن، التي أعدت تقريرًا حول هذه القضية لصالح المعهد الملكي للخدمات المتحدة، وهو مركز أبحاث بريطاني، إن برامج إعادة الدمج الحكومية تعاني ضعف التمويل.
وأضافت أن مراكز المقاتلين السابقين تواجه مشكلات تتعلق بنقص الغذاء وانتشار الأمراض، بينما أدى الفساد والخلافات داخل الحكومة إلى تفاقم الأوضاع.
وترى زويثن أن هؤلاء الأشخاص نادرًا ما يكونون أولوية عندما تكون الحكومة منشغلة بالحرب، محذرة من أن غياب الاهتمام الدولي بهذه الفئة يضعف الجهود الرامية إلى تشجيع مزيد من عناصر حركة الشباب على الانشقاق.
«نحن نسد الفجوة»
ومع تراجع الدعم الدولي، أصبحت منظمة ناغاي، وفق التقرير، الجهة الأجنبية الوحيدة تقريبًا التي لا تزال تعمل في مجال إعادة تأهيل المنشقين عن حركة الشباب في الصومال.
وقال ناغاي إن منظمات دولية ووكالات تابعة للأمم المتحدة كانت تدعم هذه البرامج في السابق، «لكن ذلك انتهى الآن»، مضيفًا أن منظمته «تسد الفجوة».
ومن بين المستفيدين عبد الله، البالغ من العمر 29 عامًا، الذي قال إنه انضم إلى حركة الشباب بدافع اليأس بعدما وُعد بالحصول على 5 آلاف دولار، لكنه لم يحصل على المال، واصفًا الحياة داخل الحركة بأنها «مروعة».
وفر عبد الله من الحركة في يناير/كانون الثاني، ويقيم حاليًا في مركز دوسمريب، حيث يتعلم اللغة الإنجليزية ومهارات الخياطة.
ويرى أن هناك كثيرين يريدون الانشقاق عن حركة الشباب، لكنهم لا يعرفون إلى أين يذهبون.
وقال: «هناك الكثير من الأشخاص الذين يريدون الانشقاق، لكنهم لا يعرفون إلى أين يذهبون».
وتكشف تجربة ناغاي أن الحرب على حركة الشباب لا تدور فقط في ساحات القتال، وإنما أيضًا في محاولة توفير طريق آمن لمن يريدون ترك التنظيم، ومنحهم التعليم والمهارات والفرصة للعودة إلى المجتمع، في وقت يتراجع فيه التمويل الدولي المخصص لهذه المهمة.











