اشعلت الصراعات بمقاطعة هيبان بجنوب كردفان والتي تمثل المركز السياسي والأمني الأبرز لمناطق سيطرة الحركة الشعبية لتحرير السودان قيادة عبد العزيز الحلو في جبال النوبة، أبرز حلفاء الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”.
واشتعلت الصراعات بمدينة كاودا العاصمة السياسية، إلى جانب هيبان ومنطقة دِبي التجارية الحيوية، منذ مطلع أبريل 2026، مع تصاعد التوترات واشتباك قضايا ملكية الأرض وترسيم الحدود الإدارية مع البنية العسكرية والسياسية القائمة.
وبدأت الأزمة الحالية شرارتها في 12 مارس الماضي على خلفية نزاع حدودي بين مجتمعي الأطورو والشواية في منطقة دِبي، التي تعد ثالث أكبر مركز تجاري لحركة البضائع في مناطق سيطرة الحركة. ورغم محاولات الاحتواء واجتماعات الإدارات الأهلية بقيادة نائب رئيس الحركة جقود مكوار، تحولت الخلافات المحلية إلى مواجهات مسلحة دامية استخدمت فيها الأسلحة الثقيلة، مما أسفر عن موجات نزوح واسعة وتفريغ الأسواق والمناطق الحيوية من حركة السكان والتجارة.
اتساع دائرة العنف وامتداده إلى كاودا ودور العبادة
أخذ النزاع منحى أكثر خطورة في مطلع مايو عندما اندلعت مواجهات داخل كاودا على خلفية مطاردة الجيش الشعبي لضباط من أبناء الأطورو متهمين بالتورط في الاقتتال، وهو ما اعتبره أبناء القبيلة استهدافاً مباشراً لهم. واتسعت رقعة العنف خلال شهري مايو ويونيو لتشمل قرى لويري، القردود، كجر، والنصرى، مترافقة مع عمليات إحراق للمنازل وتشريد للسكان نحو المرتفعات الجبلية.
ولم يقتصر العنف على الصدامات العسكرية، بل امتد ليشمل استهداف دور العبادة والكنائس، والتصعيد الخطير المتمثل في مقتل عدد من القيادات الدينية والمحلية، أبرزهم القس يوحنا الأمين، والمبشر مانديلا جبرائيل، والقس عادل الذي عُثر على جثته إلى جانب آخرين قرب منطقة إيري. وأدى مقتل القس عادل إلى شن مجموعات مسلحة من الأطورو هجوماً انتقامياً على مدينة هيبان أسفر عن قتلى واحتجاز رهائن، قبل أن تتطور الأمور إلى معارك ضارية للسيطرة على العاصمة كاودا ومقرات الإدارة المدنية والحكومية فيها.
أزمة إنسانية حرجة ومبادرات وقف الاقتتال
خلف هذا الصدام بين رفاق السلاح السابقين في “السودان الجديد” أزمة إنسانية غير مسبوقة، إذ تجاوز عدد النازحين من قرى هيبان وكاودا ودبي 50 ألف شخص وفقاً للقيادات الأهلية للأطورو، في حين أنشأت الحركة الشعبية مخيمات للنازحين، واستقبلت مقاطعة دلامي آلاف الفارين من النساء والأطفال وسط ظروف معيشية بالغة الصعوبة في مراكز الإيواء المؤقتة والمدارس.
وفي محاولة لاحتواء النزيف المستمر، ظهرت أكثر من خمس مبادرات أهلية ورسمية، كان أبرزها المبادرة التي طرحها رئيس المجلس الرئاسي لحكومة السلام وقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، والتي لقيت ترحيباً فورياً من رئيس الحركة عبد العزيز الحلو وقادة مجتمع الأطورو، اللذين أعلنا الالتزام بوقف العدائيات. ومع ذلك، لا تزال هشاشة الوضع الميداني تظهر بوضوح وسط اتباع متبادل بخرق الهدنة وقصف كاودا، مما يضع مستقبل الاستقرار في المنطقة أمام تحديات بالغة التعقيد.











