طهران – المنشر_الاخباري
طرحت إيران رؤية جديدة لأمن منطقة الخليج وغرب آسيا، داعية دول المنطقة إلى التخلي تدريجيًا عن الاعتماد على القوى الخارجية، وبناء منظومة أمنية إقليمية بأيدي دول المنطقة نفسها، في خطوة تأتي وسط تصاعد التوترات العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط.
وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن دول المنطقة يجب أن تتحمل مسؤولية أمنها ومستقبلها، مؤكدًا أن إيران مستعدة للمساهمة في بناء هيكل أمني جديد يعتمد على القدرات الإقليمية.
قاليباف: الأمن الحقيقي يبدأ من المنطقة
وقال قاليباف، في منشور له الجمعة، إن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يتحقق من خلال ترتيبات تفرضها قوى من خارج المنطقة، بل عبر منظومة أمنية «محلية» تقوم على التعاون بين دول الجوار.
وأضاف أن على دول المنطقة أن تمسك بزمام مستقبلها، مشيرًا إلى أن إيران مستعدة للمشاركة في هذا المسار.
وتعكس تصريحات قاليباف موقفًا إيرانيًا متكررًا يدعو إلى تقليص الوجود العسكري للقوى الأجنبية في المنطقة، خصوصًا الولايات المتحدة، والانتقال إلى نموذج يعتمد على التعاون بين الدول الإقليمية.
طهران ترفض «الأمن المستورد»
وتأتي تصريحات رئيس البرلمان الإيراني في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة تشكيل واضحة للتحالفات والترتيبات الأمنية.
وترى طهران أن وجود القواعد والقوات الأجنبية لم يؤدِ إلى إنهاء التوترات، بل إن بعض هذه القواعد أصبحت، من وجهة نظرها، جزءًا من الصراع نفسه.
وتقول إيران إن القواعد الأمريكية المنتشرة في دول المنطقة استُخدمت خلال المواجهة الحالية لشن هجمات عليها، الأمر الذي جعل هذه القواعد أهدافًا للرد الإيراني.
وبالتالي، فإن الرسالة التي تحاول طهران إيصالها هي أن الأمن الذي يعتمد على قوة خارجية يمكن أن يتحول في لحظة إلى مصدر للخطر على الدولة المضيفة.
مقترح إيراني لمعاهدة أمن وعدم اعتداء
تصريحات قاليباف لم تأتِ منفصلة عن تحرك إيراني أوسع.
ففي الأسبوع الماضي، طرح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان فكرة إبرام معاهدة متبادلة للأمن وعدم الاعتداء بين الدول الإسلامية.
ودعا بزشكيان الدول الإسلامية إلى احترام سلامة أراضي بعضها بعضًا، وعدم السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها أو منشآتها لشن هجمات على دولة إسلامية أخرى، إلى جانب الامتناع عن دعم محاولات زعزعة استقرار الدول المجاورة.
كما اقترح تعزيز التعاون بين الدول الإسلامية في ملفات البنية التحتية والتجارة والاستثمار والطاقة النظيفة، بما يجعل التعاون الاقتصادي جزءًا من منظومة الأمن الإقليمي.
توقيت حساس ورسالة إلى دول الخليج
ويأتي الطرح الإيراني في توقيت بالغ الحساسية، خصوصًا مع إعادة ترتيب العلاقات الدفاعية في المنطقة.
ففي أغسطس، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية دفاع مشتركة في مكة تنص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا، مع تعزيز التعاون الدفاعي بينها.
وتنظر طهران إلى هذه التحركات باعتبارها مؤشرًا على أن دول المنطقة بدأت بالفعل التفكير في ترتيبات أمنية جديدة، وإن كانت إيران تريد أن يكون هذا الترتيب قائمًا على التعاون الإقليمي وليس على الارتباط بالقوى الكبرى خارج المنطقة.
وكان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي قد قال في أغسطس إن الاتفاق السعودي التركي الباكستاني يعكس تغيرًا في نظرة دول المنطقة إلى مفهوم الأمن، معتبرًا أن التطورات الأخيرة تظهر تراجع الثقة في الوعود الأمريكية بتوفير الأمن.
إيران تحاول فتح باب جديد مع الجيران
ورغم الخلافات العميقة بين إيران وعدد من دول المنطقة، فإن الرسالة الأخيرة من طهران تحمل جانبًا آخر يتمثل في محاولة تقديم نفسها كطرف يمكن أن يكون جزءًا من ترتيبات أمنية إقليمية مشتركة.
قاليباف شدد على أن التحالفات والترتيبات الإقليمية الجديدة يمكن أن تفتح مرحلة يعتمد فيها الجيران على قدراتهم الذاتية، بدلًا من الاستعانة بالقوى الخارجية، مع التركيز على التعاون بدل الصراعات المستنزفة.
ويشير ذلك إلى أن طهران لا تتعامل مع الملف باعتباره عسكريًا فقط، وإنما تحاول ربط الأمن بالتجارة والطاقة والاستثمار والعلاقات السياسية بين دول المنطقة.
لكن الطريق ليس سهلًا
ورغم أن فكرة الأمن الإقليمي تبدو جذابة من الناحية السياسية، فإن تطبيقها يواجه عقبات كبيرة.
فالمنطقة تضم دولًا ذات مصالح متباينة، كما أن الخلافات بشأن إيران نفسها، والوجود العسكري الأمريكي، وأمن الملاحة، والصواريخ، والملف النووي، والنفوذ الإقليمي، تجعل الوصول إلى صيغة أمنية مشتركة أمرًا معقدًا.
كما أن الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان يشير إلى اتجاه موازٍ نحو تعزيز القدرات الجماعية في مواجهة المخاطر الإقليمية.
معادلة جديدة بعد أشهر من الحرب
وتأتي دعوة قاليباف بينما لا تزال المنطقة تعيش تداعيات الحرب المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران، مع تصاعد المخاوف بشأن أمن الملاحة والطاقة وانتشار القوات والقواعد الأجنبية.
وفي هذا السياق، تحاول طهران تحويل الأزمة الحالية إلى فرصة لطرح تصور مختلف لأمن المنطقة: دول الجوار تتولى حماية المنطقة، والقوى الخارجية تبتعد عنها.
لكن نجاح هذا التصور سيعتمد في النهاية على قدرة إيران وجيرانها على تجاوز الخلافات السياسية والعسكرية وبناء آليات ثقة متبادلة.
وبينما تواصل القوى الإقليمية إعادة ترتيب تحالفاتها، تبدو طهران مصرة على الدفع نحو معادلة تقول إن مستقبل أمن الخليج وغرب آسيا يجب أن يُحسم داخل المنطقة، وليس في العواصم البعيدة.










