واشنطن – المنشر_الاخباري
قبل أيام من إحياء الولايات المتحدة الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر، أثار قرار إدارة الرئيس دونالد ترامب بشأن عدد من الشخصيات المرتبطة بتنظيم القاعدة في سوريا جدلًا واسعًا، بعدما أزيلت أسماء قيادات ودعاة وممولين سابقين من قوائم العقوبات الأمريكية.
ووفق تقرير نشرته ذا غراي زون الجمعة، شملت الإجراءات أسماء مرتبطة بالفرع السوري لتنظيم القاعدة، من بينها الداعية السعودي عبد الله المحيسني، إلى جانب شخصيات أخرى ارتبطت بالتجنيد والتمويل والعمل الدعائي للتنظيم خلال سنوات الحرب السورية.
المحيسني في قلب المفاجأة
يبرز اسم عبد الله المحيسني بين أكثر الأسماء إثارة للجدل في القائمة.
وبحسب التقرير، كان المحيسني من أبرز الدعاة الذين نشطوا في تجنيد مقاتلين في سوريا، واتهمته تقارير سابقة بالمشاركة في عمليات تجنيد لشبان وقُصّر ودعم هجمات انتحارية.
وتأتي إزالة اسمه من قائمة العقوبات في وقت تعمل فيه واشنطن على إعادة صياغة سياستها تجاه سوريا والسلطات الجديدة في دمشق.
لكن من المهم التفريق بين رفع العقوبات الأمريكية وبين إعلان تبرئة الشخصيات المعنية من الاتهامات السابقة؛ فالإزالة من قائمة العقوبات إجراء قانوني وسياسي أمريكي، ولا تعني بحد ذاتها محو السجل السابق أو نفي الاتهامات.
أسماء أخرى تثير التساؤلات
وبحسب التقرير نفسه، شملت الإجراءات أيضًا أبو سليمان المهاجر، الذي ارتبط سابقًا بعمليات تجنيد لصالح تنظيم القاعدة في سوريا، وشافي سلطان محمد العجمي، الذي وُصف بأنه ممول بارز لجبهة النصرة، إضافة إلى عبد السامرز جاشاري، وهو مقاتل ألباني الأصل شغل لاحقًا دورًا عسكريًا في سوريا.
وتأتي هذه الخطوة ضمن تحولات أوسع في السياسة الأمريكية تجاه دمشق.
ففي 24 أغسطس، رفعت الولايات المتحدة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، كما أزيلت هيئة تحرير الشام من قائمة التنظيمات الإرهابية الأمريكية، في إطار سياسة جديدة تجاه الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع.
من القاعدة إلى السلطة في دمشق
وتزداد حساسية الملف بسبب الخلفية السياسية والعسكرية للقيادة السورية الحالية.
فأحمد الشرع، المعروف سابقًا باسم أبو محمد الجولاني، كان مؤسس جبهة النصرة، الفرع السوري السابق لتنظيم القاعدة، قبل أن تعيد الجماعة تقديم نفسها تحت اسم هيئة تحرير الشام وتقطع رسميًا ارتباطها بتنظيم القاعدة.
ومع وصول الشرع إلى السلطة، انتقلت واشنطن من سياسة العزل والعقوبات إلى محاولة التعامل مع القيادة الجديدة في دمشق.
وكان ترامب قد استقبل الشرع في البيت الأبيض في نوفمبر 2025، في لقاء عكس التحول الكبير في الموقف الأمريكي تجاه القيادة السورية الجديدة.
لماذا الآن؟
توقيت القرار هو أكثر ما يلفت الانتباه.
فإزالة أسماء مرتبطة بتنظيم القاعدة تأتي بينما تستعد الولايات المتحدة لإحياء الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر 2001، وهي الهجمات التي شكلت نقطة التحول الأكبر في السياسة الأمريكية الخارجية خلال العقود الماضية.
فبعد هجمات نيويورك وواشنطن، أطلقت إدارة الرئيس جورج بوش ما عرف بـ«الحرب على الإرهاب»، وبدأت العمليات العسكرية الأمريكية في أفغانستان، قبل أن تتوسع لاحقًا إلى العراق ثم ساحات أخرى في الشرق الأوسط.
وبالتالي، فإن رفع العقوبات عن شخصيات ارتبطت، وفق التقارير، بشبكات القاعدة في سوريا، يطرح تساؤلات سياسية كبيرة حول مدى تغير تعريف واشنطن لأولوياتها في المنطقة.
واشنطن تعيد رسم خريطة سوريا
الخطوة تأتي في سياق أوسع من إعادة ترتيب السياسة الأمريكية تجاه سوريا.
فقرار إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، إلى جانب رفع العقوبات عن هيئة تحرير الشام، يعكس رغبة أمريكية في منح دمشق الجديدة مساحة أكبر لإعادة الاندماج اقتصاديًا وسياسيًا مع المجتمع الدولي.
وتقول واشنطن إن هذه الإجراءات تهدف إلى دعم الاستقرار وإتاحة فرصة لإعادة بناء الاقتصاد السوري، بينما يرى منتقدون أن التحول السريع في السياسة الأمريكية يحتاج إلى تدقيق أكبر في خلفيات الشخصيات والجماعات التي أصبحت جزءًا من المشهد السياسي والعسكري الجديد.
من «الحرب على الإرهاب» إلى التعاون مع دمشق
المفارقة الأبرز أن واشنطن التي جعلت القضاء على تنظيم القاعدة أحد أهم أهداف سياستها الخارجية بعد 11 سبتمبر، تتعامل اليوم مع شخصيات وكيانات خرجت من البيئة الجهادية السورية بطريقة مختلفة تمامًا.
وهذا التحول لا يعني أن الولايات المتحدة تخلت عن مكافحة الإرهاب؛ فوزارة الخزانة الأمريكية كانت قد أوضحت في سياساتها السابقة أن العقوبات المتعلقة بتنظيم القاعدة وتنظيم داعش وبعض الجهات المرتبطة بهما يمكن أن تستمر حتى مع تخفيف العقوبات الأوسع المفروضة على سوريا.
لكن التطورات الأخيرة تؤكد أن المعادلة الأمريكية في سوريا تغيرت جذريًا.
فما كان قبل سنوات سببًا كافيًا للعقوبات والعزلة أصبح اليوم جزءًا من نقاش سياسي أكبر حول كيفية التعامل مع السلطة الجديدة في دمشق.
ذكرى 11 سبتمبر تعيد فتح الأسئلة القديمة
وبينما تستعد الولايات المتحدة لاستعادة ذكريات أكثر أيامها دموية في التاريخ الحديث، تأتي هذه القرارات لتفتح نقاشًا حساسًا حول حدود الواقعية السياسية في واشنطن.
فبعد ربع قرن من إعلان «الحرب على الإرهاب»، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام واقع شرق أوسطي جديد، تتعامل فيه مع أطراف كانت في السابق جزءًا من المشهد الذي حاربته لعقود.
ويبقى السؤال الأبرز: هل يمثل رفع العقوبات عن هذه الشخصيات جزءًا من استراتيجية أمريكية جديدة لإعادة تشكيل سوريا، أم أن واشنطن تخاطر بفتح الباب أمام قوى ذات ماضٍ جهادي لم تُحسم كل ملفاتها بعد؟









