الخرطوم – المنشر الإخباري
لم تترك الحرب في السودان ملايين الأسر أمام خيار النزوح وفقدان مصادر الدخل فحسب، بل دفعت النساء أيضًا إلى إعادة تعريف أدوارهن الاقتصادية داخل الأسرة والمجتمع. وبينما تواصل المعارك تفكيك سبل العيش التقليدية، تتجه نساء سودانيات إلى تحويل منازلهن إلى ورش ومشروعات صغيرة لإنتاج العطور التقليدية، والأطعمة، والمنسوجات، ومستحضرات التجميل، ثم تسويقها عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
وتحوّل ما بدأ بالنسبة إلى كثيرات كوسيلة للبقاء وتوفير الاحتياجات اليومية إلى مصدر دخل أساسي للأسر، خصوصًا في مناطق النزوح داخل السودان وفي المدن المصرية التي تستضيف أعدادًا كبيرة من السودانيين الفارين من الحرب. وتشير تجارب موثقة إلى أن نساء سودانيات أسسن بالفعل مشروعات منزلية ومطاعم ومتاجر ومشروعات للخياطة والتجميل والمنتجات التقليدية في مصر.
المنزل يتحول إلى مساحة للإنتاج
مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع فرص العمل النظامية، أصبحت المساحة المنزلية بالنسبة إلى كثير من النساء السودانيات نقطة انطلاق لمشروعات صغيرة لا تحتاج إلى رأس مال كبير.
تنتج بعض النساء العطور والبخور السوداني ومستحضرات العناية بالبشرة والشعر، بينما تتجه أخريات إلى إعداد الأطعمة والمخبوزات التقليدية، أو صناعة الملابس والمنسوجات، أو تقديم خدمات الخياطة والتجميل.
وفي مصر، وثقت تقارير ميدانية تجارب لنساء سودانيات بدأن مشروعاتهن من المنزل ثم توسعن تدريجيًا من خلال الأسواق والبازارات والمحال الصغيرة.
وسائل التواصل تتحول إلى متجر مفتوح
لم تعد صاحبة المشروع بحاجة إلى متجر تقليدي للوصول إلى الزبائن. فمجموعات التواصل الاجتماعي والصفحات الشخصية أصبحت وسيلة رئيسية لعرض المنتجات واستقبال الطلبات والتواصل مع العملاء.
هذا النمط من التجارة يمنح النساء فرصة للعمل من المنزل، ويقلل من تكاليف الإيجار والتشغيل، كما يسمح لهن بالوصول إلى شبكات واسعة من السودانيين في مناطق النزوح والمهجر.
وفي بعض الحالات، تطورت المشروعات المنزلية إلى متاجر أو منافذ بيع وبازارات مخصصة للمنتجات السودانية، ما خلق شبكة اقتصادية صغيرة داخل مجتمعات النازحين نفسها.
مصر.. سوق جديدة تحت ضغط كبير
بالنسبة إلى السودانيين الذين لجأوا إلى مصر، يمثل العمل أحد أكبر التحديات، خصوصًا مع صعوبة الوصول إلى سوق العمل الرسمي بالنسبة إلى كثير من اللاجئين والنازحين.
وفي أحياء تضم تجمعات سودانية كبيرة، ظهرت مشروعات صغيرة في المطاعم والمقاهي ومتاجر المواد الغذائية وصالونات التجميل وغيرها، فيما تعتمد نسبة كبيرة منها على شبكات الأسرة والمجتمع السوداني لتوفير الزبائن والعمالة ورأس المال.
وتشير دراسات ميدانية إلى أن بعض النساء وجدن في المشروعات المنزلية مساحة أكثر مرونة للعمل، خصوصًا مع استمرار مسؤوليات رعاية الأطفال والأسرة.
من مصدر دخل إلى شبكة اقتصادية
أهمية هذه المشروعات لا تتوقف عند توفير المال للأسرة. فهي تخلق أيضًا شبكات اقتصادية واجتماعية داخل مجتمعات النزوح، من خلال ربط المنتجين بالمستهلكين، وتشغيل أفراد من العائلة، والتعاون بين صاحبات المشروعات في التسويق والمعارض والأسواق المؤقتة.
وفي الوقت نفسه، تساعد المنتجات التقليدية على الحفاظ على جانب من الهوية السودانية في بيئة جديدة، إذ أصبحت العطور والبخور والأطعمة والأزياء السودانية وسيلة اقتصادية وثقافية في آن واحد.
تحديات أكبر من فكرة المشروع
ورغم قدرة النساء على ابتكار مصادر دخل جديدة، فإن الطريق ليس سهلًا. فارتفاع أسعار المواد الخام، وضعف القوة الشرائية، وصعوبة الوصول إلى التمويل المصرفي، فضلًا عن القيود المرتبطة بالإقامة والعمل بالنسبة إلى بعض النازحين، كلها عوامل تحد من قدرة هذه المشروعات على النمو.
وتشير بيانات ودراسات حول المشروعات السودانية الصغيرة في مصر إلى أن محدودية السيولة والائتمان تمثلان عقبة رئيسية أمام أصحاب الأعمال، بينما تعمل نسبة كبيرة من المشروعات الصغيرة بصورة غير رسمية.
اقتصاد يولد من رحم الأزمة
داخل السودان نفسه، تظهر الصورة ذاتها بأشكال مختلفة. فقد دفعت الحرب وتفكك مصادر الدخل التقليدية نساء كثيرات إلى دخول أنشطة اقتصادية جديدة، من بيع الطعام والملابس ومستحضرات التجميل إلى التجارة عبر الإنترنت والخدمات المنزلية.
وفي بعض مناطق النزوح، أصبحت نساء يعشن في ظروف شديدة الصعوبة يعتمدن على إنتاج الطعام وبيعه لتوفير احتياجات أسرهن، في تحول يعكس اتساع المسؤولية الاقتصادية التي تحملنها منذ اندلاع الحرب.
النساء يعيدن رسم أدوارهن
الحرب التي دفعت ملايين السودانيين إلى النزوح غيّرت كذلك شكل العلاقة بين المنزل والعمل.
فما كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره نشاطًا منزليًا محدودًا أصبح بالنسبة إلى كثير من النساء مصدرًا حقيقيًا للدخل، وأحيانًا الوسيلة الأساسية لإعالة الأسرة.
وهكذا، لا تبدو المشروعات المنزلية مجرد استجابة مؤقتة للأزمة، بل جزءًا من اقتصاد جديد يتشكل داخل مجتمعات النزوح، تقوده نساء يحاولن تحويل ما لديهن من مهارات وشبكات اجتماعية إلى مصدر للرزق والاستقلال.
وفي ظل استمرار الحرب، تتحول المنازل السودانية شيئًا فشيئًا من مجرد أماكن للعيش إلى مساحات للإنتاج والتجارة والصمود، لتصبح ريادة الأعمال النسائية واحدة من أبرز صور التكيف الاقتصادي مع واقع النزوح والأزمة.










