برلين – المنشر الإخباري
طالبت منظمة هيومن رايتس ووتش القادة الألمان بطرح ملف الحرب في السودان والانتهاكات الحقوقية على طاولة مباحثاتهم مع رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، خلال زيارته المرتقبة إلى العاصمة الألمانية برلين هذا الأسبوع، داعية إلى التعامل بجدية مع الاتهامات الموجهة إلى أبوظبي بشأن دعم قوات متهمة بارتكاب انتهاكات خطيرة بحق المدنيين في السودان.
وقالت المنظمة إن على المسؤولين الألمان عدم الاكتفاء بالمواقف الدبلوماسية العامة، بل مواجهة الرئيس الإماراتي بشأن ما وصفته باتهامات تتعلق بتغذية الصراع السوداني، إلى جانب قضايا حقوق الإنسان والحريات داخل الإمارات.
وتأتي هذه الدعوة في وقت تستضيف فيه برلين الرئيس الإماراتي وسط اهتمام متزايد بالدور الذي تلعبه القوى الإقليمية والدولية في الحرب السودانية المستمرة منذ أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
وتتهم جهات حقوقية ودولية الإمارات بتقديم أشكال مختلفة من الدعم لقوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي بشكل متكرر. وفي أحدث تطور، خلصت بعثة تقصي حقائق تابعة للأمم المتحدة إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن شبكة عابرة للحدود، تضم جهات وأفرادًا في الإمارات وتشاد ودول أخرى، ساعدت في توفير أسلحة ومعدات ولوجستيات وتدريب وأفراد أجانب لقوات الدعم السريع.
وقالت هيومن رايتس ووتش إن ألمانيا سبق أن أكدت ضرورة وقف تدفق الأسلحة والمساعدات العسكرية الخارجية التي تساهم في استمرار الحرب بالسودان، لكنها حذرت من أن عدم اتخاذ خطوات دبلوماسية أكثر وضوحًا تجاه الأطراف المتهمة بدعم الانتهاكات يمكن أن يترك المجال مفتوحًا أمام استمرار الانتهاكات دون محاسبة.
وتكتسب هذه المطالب أهمية خاصة في ظل تفاقم الأزمة الإنسانية في السودان، حيث أدى الصراع المستمر إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا ونزوح الملايين، بينما امتدت تداعيات الحرب إلى مناطق واسعة من البلاد، مع استمرار الاتهامات الموجهة إلى طرفي النزاع بارتكاب انتهاكات للقانون الدولي وحقوق الإنسان.
وكان تقرير أممي حديث قد أشار إلى أن الدعم العسكري الخارجي ساهم في زيادة قدرة أطراف النزاع على تنفيذ هجمات بعيدة المدى باستخدام الطائرات المسيرة والأسلحة المتطورة، موضحًا أن أكثر من ألف شخص قتلوا في هجمات بطائرات مسيرة خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، مع وجود مؤشرات على انتهاكات قد ترقى في بعض الحالات إلى جرائم حرب.
وفي ألمانيا، من المتوقع أن يحظى الملف السوداني باهتمام خلال زيارة الرئيس الإماراتي، خصوصًا في ظل تصاعد الدعوات من منظمات حقوقية إلى برلين لاستخدام علاقاتها السياسية والاقتصادية مع أبوظبي للضغط من أجل وقف أي دعم خارجي يمكن أن يطيل أمد الحرب.
كما دعت جهات حقوقية في ألمانيا إلى طرح مسألة السودان خلال لقاءات المسؤولين الألمان مع الرئيس الإماراتي، واتهمت الإمارات بالمساهمة في دعم مجموعات مسلحة في السودان، وهي اتهامات تنفيها الحكومة الإماراتية. ومن المقرر أن تشهد برلين احتجاجات مرتبطة بالزيارة، مع دعوات للحكومة الألمانية إلى مناقشة الدور الإماراتي في الصراع السوداني.
ولا يقتصر انتقاد هيومن رايتس ووتش على الملف السوداني، إذ دعت المنظمة كذلك إلى مناقشة أوضاع حقوق الإنسان داخل الإمارات، بما في ذلك القيود المفروضة على الحريات العامة وحقوق التعبير والتنظيم، معتبرة أن اللقاء مع القيادة الإماراتية يمثل فرصة لإثارة هذه الملفات بشكل مباشر.
وترى المنظمة أن العلاقات السياسية والاقتصادية بين ألمانيا والإمارات تمنح برلين مساحة للتأثير، خصوصًا أن ألمانيا تسعى في الوقت نفسه إلى الحفاظ على علاقاتها مع دول الخليج وتعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي معها.
وتؤكد أبوظبي من جانبها أنها لا تقدم دعمًا عسكريًا لقوات الدعم السريع، وتقول إنها تدعم الجهود الإنسانية والدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان. كما نفت الإمارات مرارًا الاتهامات المتعلقة بتسليح أي من طرفي النزاع.
لكن استمرار الاتهامات الدولية، إلى جانب النتائج التي توصلت إليها بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن شبكات الإمداد الخارجية، يزيد الضغوط على الدول المتهمة أو المرتبطة بهذه الشبكات، ويفرض على الحكومات الغربية التعامل مع الملف باعتباره أحد العوامل المؤثرة في استمرار الحرب.
وتأتي زيارة الرئيس الإماراتي إلى برلين في وقت تحاول فيه أطراف دولية تكثيف الضغوط من أجل وقف الحرب ووضع حد لتدفق الأسلحة إلى السودان. وترى منظمات حقوقية أن وقف الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة يمثل خطوة أساسية للحد من الانتهاكات وحماية المدنيين وتهيئة الظروف أمام عملية سياسية.
وبالنسبة إلى هيومن رايتس ووتش، فإن الاختبار الحقيقي أمام ألمانيا لا يتمثل فقط في إصدار بيانات تدعو إلى وقف الحرب، وإنما في مدى استعدادها لاستخدام نفوذها الدبلوماسي لمساءلة الدول التي يُتهم أفراد أو جهات فيها بالمساهمة في استمرار النزاع.
وتضع هذه المطالب برلين أمام ملف حساس خلال زيارة الرئيس الإماراتي، في ظل توازن دقيق بين المصالح السياسية والاقتصادية من جهة، والضغوط الحقوقية والدعوات إلى وقف الحرب في السودان من جهة أخرى. ويظل السؤال الأبرز هو ما إذا كانت ألمانيا ستكتفي بالتأكيد على ضرورة وقف الدعم الخارجي للنزاع، أم ستنتقل إلى طرح الاتهامات المتعلقة بالدعم العسكري بصورة مباشرة خلال محادثاتها مع القيادة الإماراتية.










