لندن – المنشر_الاخباري
في تطور يكشف اتساع المخاطر المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير الأسلحة، كشفت شركة أنثروبيك Anthropic عن استخدام خلية لتطوير الأسلحة في شمال اليمن لنموذج الذكاء الاصطناعي Claude للمساعدة في أعمال هندسية مرتبطة بصواريخ موجهة، في نشاط ترجح الشركة بدرجة عالية ارتباطه بجماعة الحوثيين.
وأوضحت أنثروبيك في أحدث تقرير استخباراتي لها حول إساءة استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي أن المجموعة استخدمت Claude Code في تنفيذ مهام كانت تتطلب في السابق مساهمة عدد من المتخصصين في هندسة البرمجيات والتحكم والملاحة.
وبحسب التقرير، لم يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على الاستشارات العامة، بل دخل في مراحل عملية من تطوير البرمجيات المرتبطة بأنظمة توجيه وتحكم لصواريخ مختلفة.
وشملت البرامج التي عملت عليها المجموعة صاروخاً تكتيكياً موجهاً، وصاروخاً باليستياً متعدد المراحل بمدى مستهدف يتجاوز 2000 كيلومتر، إلى جانب مجموعة من تصميمات الصواريخ تضمنت نموذجاً لمركبة انزلاق فرط صوتية حمل اسم «R2000».
عدة نسخ من Claude تعمل في وقت واحد
وكشفت أنثروبيك أن المجموعة استفادت من طبيعة Claude Code القائمة على العمل البرمجي المتقدم، واستخدمت عدة جلسات أو نسخ من النموذج في الوقت نفسه لأداء أدوار مختلفة، بما يشبه توزيع المهام بين أعضاء فريق هندسي.
ووفق المعلومات الواردة في التقرير، جرى توظيف النموذج في كتابة البرمجيات والبحث والمراجعة وتحليل المشكلات الفنية، بدلاً من استخدامه كمساعد تقني محدود.
وشملت الأعمال التي ساعد فيها Claude تطوير برمجيات للملاحة والتحكم، ودمج برمجيات الطيار الآلي مع حاسوب طيران صغير، وإجراء عمليات محاكاة لمسارات الطيران، إضافة إلى العمل على خوارزميات للتحكم في مسار الطائرة أو الصاروخ.
ويمثل هذا التطور جانباً جديداً في المخاطر التي تواجه شركات الذكاء الاصطناعي، إذ لم يعد الاستخدام الضار يقتصر على الحصول على معلومات نظرية، وإنما أصبح يمتد إلى تنفيذ أجزاء من أعمال هندسية معقدة عبر أدوات ذكاء اصطناعي قادرة على كتابة واختبار البرمجيات.
اختبار صاروخ في اليمن
الأكثر إثارة في القضية أن النشاط لم يتوقف عند مرحلة البرمجة والمحاكاة.
وبحسب التقرير، قامت المجموعة باختبار إطلاق صاروخ موجه في اليمن، إلا أن الاختبار يبدو أنه لم يحقق النتيجة المطلوبة.
وبعد الاختبار بوقت قصير، عادت المجموعة إلى استخدام Claude لتحليل بيانات الاختبار ومحاولة فهم أسباب الإخفاق، في مثال على استخدام الذكاء الاصطناعي ضمن دورة تطوير تتضمن التصميم والاختبار ثم تحليل النتائج وإجراء التحسينات.
وقالت أنثروبيك إنها لا تملك دليلاً على أن المجموعة تمكنت في النهاية من نشر سلاح عملياتي نتيجة هذا النشاط.
لكن الشركة أشارت في الوقت نفسه إلى أن المجموعة نجحت في بناء أدوات وبرمجيات يمكن تشغيلها بصورة مستقلة بعيداً عن منصة Claude.
تجاوز إجراءات الحماية
ورغم أن أنثروبيك لديها أنظمة حماية مصممة لمنع استخدام Claude في تطوير الأسلحة أو تقديم مساعدة قد تسهم بصورة مباشرة في أنشطة خطرة، فإن المجموعة تمكنت من تجاوز عدد من هذه الإجراءات.
وبحسب التقرير، حاول المستخدمون إخفاء الغرض الحقيقي من بعض المهام، وتقسيم العمل على عدد كبير من الجلسات، واستخدام أساليب أخرى لتجنب اكتشاف طبيعة المشروع.
وتقول الشركة إن إجراءات الحماية تمكنت من حظر العديد من الطلبات، إلا أن المستخدمين حاولوا الاستمرار من خلال تغيير طريقة صياغة المهام وتوزيعها.
وفي النهاية، قامت أنثروبيك بحظر الحسابات المرتبطة بالنشاط واتخذت إجراءات لتعطيل استخدامها لخدماتها.
من الصواريخ إلى الحرب الإلكترونية
وتأتي القضية اليمنية ضمن مجموعة أكبر من حالات إساءة استخدام Claude التي وثقتها أنثروبيك في تقريرها الجديد.
وقالت الشركة إنها رصدت ست حالات مرتبطة بتطوير أسلحة تقليدية في الصين وروسيا واليمن، إلى جانب حالات أخرى شملت عمليات إلكترونية، وحملات تأثير، ومراقبة جماعية، ومحاولات مرتبطة بالأبحاث البيولوجية.
وفي الحالات المتعلقة بالأسلحة التقليدية، ظهرت أنماط مختلفة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في أعمال البحث والهندسة والبرمجة، بما يشير إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة بدأت تدخل تدريجياً في مجالات كانت تتطلب سابقاً فرقاً بشرية متخصصة.
وتقول أنثروبيك إن القضية الأوسع لم تعد تتعلق فقط بما إذا كان نموذج الذكاء الاصطناعي يستطيع الإجابة عن سؤال تقني خطير، وإنما بقدرة المستخدم على تقسيم المهمة المعقدة إلى عشرات أو مئات الخطوات الصغيرة التي يمكن تنفيذها عبر جلسات متعددة.
إنذار جديد لصناعة الذكاء الاصطناعي
وتسلط القضية الضوء على تحدٍ متزايد أمام شركات الذكاء الاصطناعي: فحتى عندما ترفض النماذج تقديم مساعدة مباشرة في تطوير الأسلحة، يمكن للمستخدمين محاولة إعادة صياغة العمل أو تقسيمه إلى أجزاء منفصلة.
وتزداد خطورة هذا السيناريو مع تطور الأدوات الوكيلة مثل Claude Code، التي لا تقتصر وظيفتها على إنتاج نصوص برمجية بسيطة، وإنما تستطيع تنفيذ مهام برمجية متتابعة وتحليل النتائج وإجراء تعديلات على المشاريع.
وكانت أنثروبيك قد أكدت في أبحاث سابقة أن الاستخدام الوكيلي للذكاء الاصطناعي يرفع قدرات المستخدمين على تنفيذ مهام برمجية معقدة، وهو ما يجعل أنظمة الاحتواء والمراقبة جزءاً أساسياً من إدارة مخاطر هذه الأدوات.
لا دليل على سلاح عملياتي.. لكن الخطر تغير
ورغم عدم وجود دليل لدى الشركة على أن الخلية نجحت في إنتاج سلاح عملياتي باستخدام Claude، فإن القضية تثير قلقاً مختلفاً.
فالخطر لم يعد افتراضياً بالكامل؛ إذ تشير المعلومات إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في سلسلة تطوير فعلية تضمنت برمجيات ومحاكاة واختباراً ميدانياً وتحليلاً لنتائج الاختبار.
كما أن قدرة المجموعة على إنشاء أدوات قابلة للتشغيل دون الاتصال بخدمة Claude تعني أن إغلاق الحسابات لم يكن كافياً بالضرورة لمحو كل ما تم إنتاجه خلال فترة الاستخدام.
وتشكل هذه القضية واحدة من أوضح الأمثلة حتى الآن على انتقال الذكاء الاصطناعي من كونه أداة للمساعدة في البحث والبرمجة إلى عنصر يمكن أن يدخل في دورة تطوير أنظمة عسكرية معقدة.
القضية اليمنية لا تثبت أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً وحده على تصميم سلاح متطور، لكنها تكشف شيئاً أكثر واقعية وخطورة: إمكانية استخدامه لتقليص الوقت والجهد اللازمين لإنجاز أجزاء من العمل الهندسي الذي كان يتطلب في السابق فرقاً بشرية متخصصة.
ومع استمرار تطور النماذج الوكيلة، يبدو أن المعركة المقبلة لن تكون فقط حول ما يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله، بل حول قدرة شركات التكنولوجيا على اكتشاف من يستخدمه، ولماذا، وكيف يمنعون تحويل المهام الصغيرة المتفرقة إلى منظومة متكاملة قادرة على إنتاج تأثير حقيقي في العالم.










