إسلام آباد- المنشر_الاخباري
تجد باكستان نفسها أمام اختبار بالغ الحساسية مع تصاعد الحرب بين السعودية والحوثيين في اليمن، بعدما تحولت الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية إلى عامل ضغط مباشر على إسلام آباد، التي ترتبط بالرياض باتفاق دفاعي جديد، لكنها في الوقت نفسه حريصة على عدم دفع علاقاتها مع إيران إلى نقطة صدام جديدة.
وتحاول الحكومة الباكستانية حتى الآن إبقاء موقفها في إطار التهدئة والدبلوماسية، وسط مخاوف من أن يؤدي اتساع المواجهة إلى وضعها أمام التزام عسكري لا ترغب في تفعيله. لكن التطورات الميدانية المتسارعة، خصوصًا على ساحل البحر الأحمر، تجعل هامش المناورة أمام إسلام آباد أضيق من أي وقت مضى.
هجمات الحوثيين تضع السعودية أمام خطر متزايد
تصاعدت المواجهة بصورة حادة خلال الأيام الأخيرة، بعدما شن الحوثيون سلسلة هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة استهدفت مدنًا ومنشآت حيوية داخل السعودية، بينها مواقع مرتبطة بقطاع الطاقة.
وأدت الهجمات إلى إصابة أكثر من 70 شخصًا، بحسب تقارير دولية، كما طالت منشآت للطاقة في مناطق عدة، في تصعيد هو من الأكبر منذ سنوات في المواجهة بين السعودية والحوثيين. وردت الرياض بشن ضربات جوية على مواقع حوثية داخل اليمن، بينما بدأت القوات المدعومة سعوديًا هجومًا مضادًا على الأرض.
وتحمل هذه التطورات أهمية تتجاوز حدود السعودية واليمن، خصوصًا مع تهديد الحوثيين للممرات البحرية في البحر الأحمر، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات على حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
سقوط المخا يغيّر حسابات المعركة
وجاء التطور الأبرز مع إعلان الحوثيين السيطرة على ميناء المخا الاستراتيجي على ساحل البحر الأحمر، في تقدم ميداني يقرب الجماعة من مناطق مطلة على مضيق باب المندب.
ويمثل المخا موقعًا بالغ الأهمية في الحسابات العسكرية والاقتصادية للصراع، إذ إن السيطرة على أجزاء أكبر من الساحل الغربي لليمن تمنح الحوثيين قدرة أكبر على الضغط على السعودية وتهديد طرق الملاحة الدولية.
وتشير التقارير إلى أن القتال الحالي هو الأعنف منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته الأمم المتحدة في أبريل 2022، مع سقوط مئات القتلى خلال أيام قليلة وتصاعد العمليات العسكرية على طول الساحل الغربي. كما شنت السعودية عشرات الغارات على مواقع للحوثيين ردًا على تقدمهم والهجمات التي استهدفت أراضيها.
وهنا تبدأ أهمية الموقف الباكستاني في الظهور بصورة أكبر.
اتفاق دفاعي يضع إسلام آباد أمام التزام صعب
ترتبط باكستان والسعودية وتركيا باتفاق دفاعي يعرف باسم اتفاق مكة للدفاع، ويقوم على تعزيز التعاون العسكري والأمني بين الدول الثلاث، مع اعتبار تعرض إحدى الدول لهجوم تهديدًا للدول الأخرى.
وقد حذر وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف من أن استمرار الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية، ولا سيما استهداف المنشآت النفطية، يمكن أن يضع الاتفاق أمام اختبار فعلي.
وقال آصف إن الهجوم على إحدى الدول الموقعة يمكن أن ينظر إليه باعتباره هجومًا على الجميع، ما يفتح الباب نظريًا أمام تحرك مشترك إذا تحولت الهجمات إلى تهديد مباشر ومستمر لأمن السعودية.
لكن الاتفاق، في الوقت نفسه، لا يعني تلقائيًا أن باكستان ستدخل الحرب داخل اليمن، وهو فارق مهم تحرص إسلام آباد على الحفاظ عليه.
باكستان ترسم خطًا بين الدفاع عن السعودية وحرب اليمن
المعضلة الأساسية أمام باكستان هي تحديد حدود التزامها العسكري.
فالدفاع عن الأراضي السعودية في حال تعرضها لهجوم واسع يختلف سياسيًا وعسكريًا عن إرسال قوات إلى اليمن أو المشاركة في ضرب مواقع الحوثيين داخل الأراضي اليمنية.
ولهذا سارعت إسلام آباد إلى تخفيف المخاوف بشأن تدخل عسكري مباشر، مؤكدة أنه لا توجد في الوقت الراهن خطط للرد العسكري بموجب اتفاق الدفاع الجديد.
وجاء هذا التوضيح بعد أقل من يوم على لهجة أكثر حدة من وزير الدفاع، في مؤشر على أن الحكومة الباكستانية تدرك حجم المخاطر التي قد تترتب على الانتقال من التهديد السياسي إلى المشاركة العسكرية.
وبذلك تحاول إسلام آباد الحفاظ على معادلة دقيقة: الوقوف إلى جانب أمن السعودية، من دون الانضمام إلى حرب مفتوحة ضد الحوثيين داخل اليمن.
إيران.. الحلقة الأصعب في حسابات باكستان
لكن أي قرار عسكري باكستاني لن يكون متعلقًا بالسعودية وحدها.
فإيران تمثل عاملًا أساسيًا في حسابات إسلام آباد، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي كدولة مجاورة، وإنما أيضًا بسبب علاقاتها بالحوثيين وبالقوى المتحالفة معها في المنطقة.
وتتهم السعودية ودول غربية إيران بدعم الحوثيين، فيما تنفي طهران الاتهامات المتعلقة بالسيطرة المباشرة على قرارات الجماعة. وفي الوقت نفسه، تشير تقارير إلى وجود دعم وتسليح إيراني للحوثيين، ما يجعل الصراع في اليمن جزءًا من التنافس الإقليمي الأوسع بين إيران وخصومها.
ومن هنا فإن دخول باكستان عسكريًا إلى جانب السعودية قد يضعها في مواجهة غير مباشرة مع إيران، وهو سيناريو لا تبدو إسلام آباد راغبة في الوصول إليه.
فباكستان تحتاج إلى علاقات مستقرة مع الرياض، لكنها تحتاج كذلك إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع طهران، خصوصًا في ظل الحدود المشتركة والتحديات الأمنية والاقتصادية التي تجمع البلدين.
لماذا لا تريد إسلام آباد الانجرار إلى الحرب؟
بالنسبة إلى باكستان، فإن المشاركة العسكرية في اليمن تحمل مخاطر متعددة.
أولها خطر تحولها إلى طرف مباشر في صراع إقليمي معقد، وثانيها احتمال توتر علاقاتها مع إيران، وثالثها إمكانية توسع الالتزام العسكري إذا استمرت الهجمات الحوثية وتعرضت منشآت أو مدن سعودية لهجمات أكبر.
كما أن إرسال قوات إلى اليمن سيكون مختلفًا تمامًا عن الدفاع عن الأراضي السعودية، وقد يضع القوات الباكستانية في مواجهة مباشرة مع الحوثيين في بيئة عسكرية شديدة التعقيد.
لذلك تبدو الدبلوماسية بالنسبة إلى إسلام آباد الخيار الأقل تكلفة في الوقت الحالي، خصوصًا أن الحكومة الباكستانية تعلن باستمرار تفضيلها ضبط النفس والحوار بدل توسيع دائرة المواجهة.
السعودية أمام خيار التصعيد
في المقابل، تواجه السعودية معضلة مختلفة.
فالرياض تجد نفسها أمام هجمات متكررة على منشآت الطاقة والمدن، في وقت تحاول فيه حماية اقتصادها ومشروعاتها الاستثمارية الكبرى من تداعيات الحرب.
وتشير تقارير إلى أن الهجمات الأخيرة طالت منشآت للطاقة وقواعد ومواقع عسكرية في أربع مدن سعودية، وأدت إلى أضرار واضطرابات في بعض عمليات النفط. كما أثارت التطورات مخاوف من تحول المواجهة إلى حرب طويلة تهدد الاستقرار الإقليمي وأسواق الطاقة.
ومع اتساع المعارك على الساحل الغربي لليمن، أصبح باب المندب جزءًا أساسيًا من الحسابات السعودية.
فإذا تمكن الحوثيون من تثبيت وجودهم قرب المضيق، فإن ذلك يمنحهم ورقة استراتيجية في مواجهة السعودية والولايات المتحدة، ويزيد المخاطر على حركة السفن وناقلات النفط عبر البحر الأحمر.
النفط والملاحة يرفعان كلفة الحرب
ولا تتوقف تداعيات التصعيد عند الجانب العسكري.
فالبحر الأحمر وباب المندب يمثلان ممرًا حيويًا للتجارة الدولية، وأي اضطراب واسع في المنطقة يمكن أن يرفع تكاليف النقل ويؤثر على إمدادات الطاقة.
وقد انعكس التصعيد بالفعل على أسواق النفط، مع اقتراب أسعار الخام من حاجز 100 دولار للبرميل، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار الهجمات إلى تعطيل المزيد من عمليات الشحن والطاقة.
وفي حال توسعت الحرب، لن تكون السعودية واليمن وحدهما أمام تداعياتها، بل قد تمتد التأثيرات إلى دول الخليج وأسواق الطاقة العالمية وطرق التجارة بين آسيا وأوروبا.
هل تدخل باكستان الحرب؟
حتى الآن، تبدو الإجابة الأقرب هي: ليس في الوقت الحالي.
فإسلام آباد تحاول تجنب الانتقال من الالتزام السياسي والدفاعي تجاه السعودية إلى مشاركة مباشرة في العمليات العسكرية ضد الحوثيين.
لكن هذا الموقف قد يصبح أكثر صعوبة إذا تعرضت السعودية لهجمات واسعة ومتكررة، أو إذا توسعت الضربات الحوثية لتصيب منشآت استراتيجية بصورة تهدد الأمن القومي للمملكة.
عندها قد تجد باكستان نفسها أمام اختبار حقيقي لاتفاق الدفاع، خصوصًا إذا طلبت الرياض تفعيل التزامات الحماية المشتركة.
وفي المقابل، فإن أي تدخل باكستاني مباشر سيحمل ثمنًا دبلوماسيًا مع إيران، وقد يحرم إسلام آباد من مساحة المناورة التي تحاول الحفاظ عليها منذ بداية التصعيد.
معادلة صعبة بين الرياض وطهران
لذلك تبدو السياسة الباكستانية في المرحلة الحالية قائمة على محاولة الفصل بين التحالف مع السعودية والمواجهة مع الحوثيين.
إسلام آباد تستطيع دعم أمن السعودية سياسيًا ودبلوماسيًا، ويمكنها التشديد على حق المملكة في الدفاع عن أراضيها، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول إلى طرف مقاتل داخل اليمن.
غير أن استمرار الحرب قد يفرض عليها خيارات أكثر صعوبة.
فكلما اقترب الحوثيون من باب المندب، وكلما توسعت الهجمات على المدن والمنشآت السعودية، تقلصت المساحة التي تستطيع باكستان التحرك داخلها دون اتخاذ موقف أكثر وضوحًا.
وفي نهاية المطاف، قد تجد إسلام آباد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف تحافظ على تحالفها الدفاعي مع السعودية، من دون الدخول في مواجهة مع إيران؟ وكيف تفي بالتزاماتها تجاه الرياض، من دون أن تتحول إلى طرف مباشر في حرب الحوثيين؟
حتى الآن، تختار باكستان الدبلوماسية وتجنب المواجهة، لكن استمرار التصعيد قد يجعل هذا الخيار أصعب مع مرور الوقت، خصوصًا إذا تحولت الهجمات على السعودية من عمليات متفرقة إلى تهديد مستمر لأمن المملكة ومنشآتها الحيوية.










