بكين – المنشر_الاخباري
أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ أن الصين والهند، باعتبارهما الدولتين الأكثر سكانًا في العالم وعضوين رئيسيين في دول الجنوب العالمي، تتحملان مسؤولية مهمة في دفع التعاون الدولي وتعزيز السلام والاستقرار، داعيًا إلى توسيع التعاون بين البلدين وتقديم «طاقة إيجابية» للمشهد العالمي.
وقال شي إن بكين ونيودلهي ستعملان معًا لتعزيز التعاون عالي الجودة، ودعم بناء عالم أكثر سلامًا واستقرارًا، في رسالة تعكس رغبة الصين في منح العلاقات مع الهند بعدًا استراتيجيًا أوسع، بالتزامن مع انعقاد قمة مجموعة بريكس في العاصمة الهندية نيودلهي.
وتأتي تصريحات الرئيس الصيني في وقت تشهد فيه القمة حضورًا لافتًا لعدد من أبرز القوى الصاعدة في العالم، بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، إلى جانب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، بينما تحاول المجموعة تعزيز دورها في الملفات السياسية والاقتصادية العالمية.
وتحظى العلاقات بين الصين والهند بأهمية خاصة في هذه القمة، خصوصًا أن زيارة شي إلى الهند هي الأولى منذ سبع سنوات، في مؤشر على تحسن حذر في العلاقات بين البلدين بعد سنوات من التوتر المرتبط بالنزاع الحدودي في منطقة الهيمالايا.
وخلال لقائه مودي على هامش القمة، شدد شي على ضرورة التعامل مع العلاقات الصينية الهندية من منظور استراتيجي وطويل الأمد، فيما أكد الجانبان أهمية تعزيز التواصل والتعاون وإدارة الخلافات بطريقة تحول دون عودتها إلى مواجهات جديدة.
وتحاول بكين ونيودلهي في المرحلة الحالية البناء على تحسن نسبي في العلاقات، بعد الاشتباك الحدودي الدامي الذي وقع عام 2020 وأسفر عن مقتل 20 جنديًا هنديًا وأربعة جنود صينيين. ورغم استمرار الخلافات بشأن الحدود ووجود قوات من الجانبين على امتداد المناطق المتنازع عليها، فإن البلدين كثفا الاتصالات السياسية خلال الفترة الأخيرة لتجنب تصعيد جديد.
ويأتي هذا التقارب في وقت تواجه فيه الصين والهند تحديات مشتركة ومتزايدة، من اضطرابات التجارة وسلاسل الإمداد إلى التوترات الجيوسياسية والحروب التي تؤثر في أسواق الطاقة والنقل العالمي.
وأشار شي إلى الدور الذي يمكن للصين والهند أن تلعباه داخل دول الجنوب العالمي، في وقت تسعى فيه بكين إلى تعزيز مكانة بريكس كمنصة للتعاون بين الاقتصادات الناشئة والدول النامية.
وتضم بريكس حاليًا مجموعة من الاقتصادات الكبرى والناشئة، وتمثل أكثر من 40% من سكان العالم ونحو ربع الاقتصاد العالمي، ما يمنحها وزنًا متزايدًا في النقاشات المتعلقة بإصلاح المؤسسات الدولية والتجارة والطاقة والتمويل العالمي.
وتسعى الصين إلى استخدام هذا الثقل لتعزيز التعاون بين أعضاء المجموعة، بينما تحاول الهند الحفاظ على دور متوازن داخل بريكس، يجمع بين توسيع علاقاتها مع دول الجنوب العالمي والحفاظ على شراكاتها مع الولايات المتحدة والغرب.
وتظهر هذه المعادلة بوضوح في قمة نيودلهي، التي انعقدت وسط توترات كبيرة في الشرق الأوسط والحرب الروسية الأوكرانية، وما خلفته هذه الصراعات من اضطرابات في أسواق الطاقة وحركة التجارة والملاحة الدولية. ودعا شي خلال القمة بريكس إلى الاضطلاع بدور أكبر في جهود إحلال السلام في الشرق الأوسط، مؤكدًا أن استمرار الحرب لا يخدم مصالح المجتمع الدولي.
كما اتخذت القمة أهمية إضافية بالنسبة إلى الصين، التي ستتولى رئاسة بريكس العام المقبل وتستضيف القمة التاسعة عشرة للمجموعة، ما يمنح بكين فرصة لتعزيز أجندتها داخل التكتل ودفعه نحو مزيد من التعاون السياسي والاقتصادي.
وفي الجانب الاقتصادي، تمثل العلاقات الصينية الهندية ملفًا حساسًا رغم تحسن الاتصالات السياسية. فقد بلغ حجم التجارة بين البلدين مستوى قياسيًا في 2025 عند نحو 155.6 مليار دولار، لكن الهند سجلت عجزًا تجاريًا كبيرًا لصالح الصين، وهو ما يجعل مسألة الوصول إلى الأسواق وسلاسل الإمداد وإعادة التوازن التجاري من الملفات المهمة في المرحلة المقبلة.
ويرى مراقبون أن تصريحات شي لا تعني اختفاء الخلافات بين أكبر قوتين سكانيتين في العالم، وإنما تعكس محاولة لإدارة هذه الخلافات ضمن إطار أوسع من المصالح المشتركة.
فبكين ونيودلهي لا تزالان تختلفان بشأن قضايا حدودية واستراتيجية واقتصادية، كما أن لكل منهما حساباته الخاصة في علاقاته مع واشنطن وموسكو ودول آسيا والشرق الأوسط. لكن استمرار الحوار بينهما يقلل مخاطر تحول المنافسة إلى مواجهة مباشرة، ويمنح البلدين مساحة أكبر للتعاون في الملفات التي تتقاطع فيها مصالحهما.
وتحاول الصين من خلال خطاب شي التأكيد على أن التعاون بين بكين ونيودلهي لا يقتصر على العلاقات الثنائية، بل يمكن أن يمتد إلى ملفات دولية أوسع، خصوصًا في قضايا التنمية والأمن الغذائي والطاقة والتجارة والإصلاح المؤسسي.
وفي المقابل، تنظر الهند إلى بريكس باعتبارها منصة مهمة لتعزيز نفوذ دول الجنوب العالمي، لكنها تحرص في الوقت نفسه على ألا تتحول المجموعة إلى تكتل موجه ضد الولايات المتحدة أو الغرب. وقد أكد مودي أن بريكس ينبغي أن تكون منصة للشراكة، في محاولة للحفاظ على مساحة دبلوماسية واسعة أمام نيودلهي.
ويعكس المشهد في نيودلهي تحول بريكس إلى واحدة من أهم المنصات التي تجمع قادة دول ذات ثقل سكاني واقتصادي وسياسي كبير. وبينما تتزايد الخلافات داخل النظام الدولي، تحاول المجموعة تقديم نفسها كمساحة للحوار والتعاون بين القوى غير الغربية، حتى في ظل اختلاف مصالح أعضائها.
وفي هذا السياق، تأتي دعوة شي إلى الصين والهند للعمل معًا من أجل عالم أكثر سلامًا واستقرارًا باعتبارها رسالة تتجاوز حدود العلاقات الثنائية، لتؤكد أن بكين تريد للهند والصين أن تكونا من أبرز القوى المؤثرة في صياغة المرحلة المقبلة من النظام الدولي.
ومع استمرار الحروب والتوترات التجارية والأزمات الأمنية، يبقى نجاح هذا المسار مرتبطًا بقدرة بكين ونيودلهي على إدارة خلافاتهما، وتحويل التقارب السياسي الأخير إلى تعاون عملي، خصوصًا في الملفات الاقتصادية والأمنية التي تؤثر في استقرار آسيا والعالم.










