طهران- المنشر_الاخباري
اتهمت إيران الولايات المتحدة بارتكاب «جريمة حرب» خلال الهجوم الذي استهدف مدينة لامرد جنوب البلاد في 28 فبراير الماضي، مؤكدة أنها بدأت إعداد ملف قانوني وفني لملاحقة المسؤولين عن الهجوم أمام المحاكم والمؤسسات الدولية.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، السبت، خلال مؤتمر صحفي عقده داخل منشأة رياضية في لامرد سبق أن تعرضت للقصف، إن التحقيقات الإيرانية خلصت، وفق رواية طهران، إلى أن الهجوم يمثل «حالة واضحة من جرائم الحرب»، متهمًا القوات الأمريكية باستخدام أسلحة محظورة وصواريخ تحمل عددًا كبيرًا من الشظايا.
وأشار بقائي إلى أن الهجمات استهدفت مواقع مدنية، من بينها منشأة رياضية وملعب لكرة القدم ومدرسة ومركز لنقل الدم، إضافة إلى مناطق سكنية، مؤكدًا أن أربعة صواريخ أصابت المدينة خلال فترة زمنية قصيرة.
وقال إن مقتل 21 شخصًا وإصابة نحو 180 آخرين يمثل، بحسب تقييم طهران، دليلًا على «الطابع الإجرامي والمتعمد» للهجوم، مشددًا على أن إيران ستعتمد على الأدلة الفنية والقانونية في تحركها أمام المحاكم والمنظمات الدولية.
وتأتي تصريحات بقائي في وقت عادت فيه الضربة على لامرد إلى الواجهة الدولية بعد تحقيقات مستقلة تناولت نوع السلاح المستخدم وحجم الأضرار التي خلفها الهجوم. فقد خلص تحليل أجرته منظمة «إير وورز» وراجعته وكالة أسوشيتد برس إلى أن نمط الأضرار والدمار يتوافق مع استخدام صواريخ أمريكية من طراز «بريسيجن سترايك ميسايل» (PrSM)، وهي صواريخ يمكن أن تنفجر في الجو وتنثر شظايا معدنية على مساحة واسعة.
وبحسب أسوشيتد برس، أكد الجيش الأمريكي أنه استخدم صواريخ من هذا الطراز في إيران، لكنه نفى تنفيذ ضربة على مدينة لامرد تحديدًا، كما لم يعلن عن الهدف الذي كان مقررًا إصابته في المنطقة. وأشار التحقيق إلى أن مجمعًا تابعًا للحرس الثوري يقع بالقرب من موقع الضربة، لكن صور الأقمار الصناعية لم تظهر أضرارًا مباشرة فيه.
وتشير التحقيقات التي تناولت الهجوم إلى أن الصواريخ أصابت منشأة رياضية ومناطق سكنية، فيما قال خبراء في الأسلحة إن طبيعة الانفجارات ونمط انتشار الأضرار يتوافقان مع خصائص صاروخ «PrSM». ووفق المعطيات التي نشرتها أسوشيتد برس، قُتل ما لا يقل عن 21 مدنيًا في الهجوم، بينهم أطفال، فيما أصيب عدد كبير من الأشخاص.
وفي المقابل، يبقى توصيف الهجوم قانونيًا باعتباره «جريمة حرب» مسألة تحتاج إلى تحديد المسؤولية والنية والظروف العملياتية وفق القانون الدولي، ولا يكفي وقوع خسائر بين المدنيين وحده لإصدار حكم قانوني نهائي بشأنها.
وقال بقائي إن إيران تعتزم توثيق تفاصيل الهجوم والأضرار والضحايا، واستخدام هذه الوثائق في مسار قانوني دولي، كما تعهد بملاحقة المسؤولين والأفراد الذين ساهموا، بحسب اتهامات طهران، في تقديم معلومات أو مبررات إعلامية قالت إيران إنها مهّدت للهجوم.
ووسع المتحدث الإيراني اتهاماته لتشمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومديرها العام رافائيل غروسي، معتبرًا أن تقارير الوكالة بشأن البرنامج النووي الإيراني وفرت، من وجهة نظر طهران، ذرائع للولايات المتحدة وإسرائيل لتنفيذ عمليات عسكرية ضد إيران.
وقال بقائي إن توقيت الهجوم، الذي وقع بعد يوم واحد من نشر تقرير للوكالة، يمثل في رأيه دليلًا على ارتباط بين التقرير والعمليات العسكرية، وهي مزاعم ترفضها الوكالة ولم يثبت بشكل مستقل أنها كانت سببًا مباشرًا في اتخاذ القرار العسكري.
وتأتي هذه التصريحات بعد تصعيد جديد في الخلاف بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، في وقت تواجه فيه إيران ضغوطًا دولية بشأن عمليات التفتيش والضمانات النووية. كما استخدمت الولايات المتحدة ودول أوروبية تقارير الوكالة في تحركات دبلوماسية هدفت إلى إحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن.
وتؤكد إيران أن الهجمات العسكرية على منشآتها ومواقعها المدنية والعسكرية تجعل التعاون مع الوكالة أكثر تعقيدًا، بينما تتمسك الوكالة بضرورة الوصول إلى المواقع والمواد النووية الخاضعة للضمانات حتى تتمكن من التحقق من طبيعة البرنامج النووي الإيراني.
وتحظى قضية لامرد بأهمية إضافية بالنسبة إلى طهران لأنها تأتي ضمن سلسلة من الضربات التي استهدفت إيران في اليوم الأول من الحرب، وأسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من المدنيين في مناطق مختلفة.
وكانت مدينة ميناب، الواقعة جنوب إيران، قد شهدت في اليوم نفسه ضربة أصابت مدرسة، وأسفرت وفق السلطات الإيرانية عن مقتل أكثر من 160 شخصًا، معظمهم من الأطفال. وأكد تحقيق لوكالة أسوشيتد برس وجود أدلة على إصابة المدرسة بصاروخ أمريكي، بينما لم تعلن الإدارة الأمريكية رسميًا مسؤوليتها عن الضربة أو نتائج تحقيق عسكري بشأنها.
وتحاول طهران تحويل هذه الوقائع إلى ملف قانوني دولي أوسع، في محاولة لإثبات أن العمليات العسكرية التي استهدفت الأراضي الإيرانية لم تقتصر على أهداف عسكرية، وإنما تسببت أيضًا في سقوط ضحايا بين المدنيين وتدمير منشآت ذات استخدام مدني.
وفي المقابل، تؤكد الولايات المتحدة أن عملياتها العسكرية استهدفت مواقع مرتبطة بالقدرات العسكرية الإيرانية، بينما تنفي تنفيذ ضربة على لامرد تحديدًا، وهو ما يجعل مسألة تحديد الهدف الأصلي للضربة والمسؤولية القانونية عنها من أبرز النقاط التي قد تواجهها أي إجراءات دولية مستقبلية.
ومع استمرار الحرب والتوتر بين طهران وواشنطن، يبدو أن ملف الضحايا المدنيين سيبقى أحد أكثر الملفات حساسية، خصوصًا مع سعي إيران إلى توثيق الضربات التي تقول إنها استهدفت مناطق مدنية، بينما تواجه الولايات المتحدة ضغوطًا متزايدة للكشف عن طبيعة الأهداف التي استهدفتها قواتها والنتائج التي توصلت إليها تحقيقاتها الداخلية.
وأكد بقائي أن بلاده لن تكتفي بإدانة الهجوم سياسيًا، بل ستسعى إلى بناء ملف يستند إلى الوثائق والأدلة الفنية والقانونية، بهدف دفع المؤسسات الدولية إلى النظر في المسؤوليات المترتبة على الضربة.
وبذلك تتحول لامرد من موقع تعرض لهجوم خلال الأيام الأولى للحرب إلى محور جديد في المواجهة القانونية والدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة، في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب تلقي بظلالها على المنطقة، من الخليج ومضيق هرمز إلى البحر الأحمر والأسواق العالمية.









