تراقب دوائر سياسية وأمنية إسرائيلية عن كثب مشاركة قوات مصرية للمرة الأولى على الإطلاق في مسيرة استقلال قبرص، في مؤشر تعتبره وسائل الإعلام العبري اختبارا لمدى التزام القاهرة بتحالفاتها الاستراتيجية القائمة مع كل من نيقوسيا وأثينا.
وتكتسب هذه المتابعة أهمية خاصة في ظل رهانات إسرائيلية سابقة بأن التقارب الأخير بين مصر وتركيا قد يفضي إلى إضعاف هذا المحور الثلاثي، الذي شكل تاريخيا ثقلا موازنا ومضادا للنفوذ التركي في منطقة شرق المتوسط.
وفي هذا السياق، سلط تقرير لصحيفة “معاريف” الإسرائيلية الضوء على التحولات الجيوسياسية المتسارعة، مؤكدا أن القاهرة تسعى بخطى حثيثة للحفاظ على توازن دقيق ومدروس في علاقاتها الإقليمية.
فبينما تدير القاهرة مسارا لتطبيع وتطوير علاقاتها مع أنقرة بعد سنوات طويلة من التوتر، تحرص في الوقت ذاته وبدقة بالغة على عدم الإضرار بالشراكات الاستراتيجية والامنية والاقتصادية التي بنتها مع قبرص واليونان، سيما في مجالات الطاقة، والحدود البحرية، والأمن الإقليمي.
مشاركة عسكرية رمزية غير مسبوقة تكسر قطيعة الماضي
وفي خطوة وصفت بالتاريخية والرمزية للغاية، كشفت صحيفة “معاريف” أن قوات من الجيش المصري ستشارك جنبا إلى جنب مع الحرس الوطني القبرصي والقوات اليونانية المتمركزة في الجزيرة، خلال العرض العسكري المركزي الذي سيقام في العاصمة نيقوسيا في الأول من أكتوبر بمناسبة عيد استقلال جمهورية قبرص.
ويرى المراقبون القبارصة أن هذه الخطوة تتجاوز بكثير طقوس الاحتفال المعتادة لتجسد عمق الثقة المتبادلة بين البلدين، متجاوزة بذلك إرث عقود مضت، وتحديدا نحو 49 عاما على إحدى أسوأ محطات العلاقات تمثلت في الغارة الفاشلة للكوماندوز المصري على مطار لارنكا عام 1978.
ويأتي هذا التطور تتويجا لاتفاقات أمنية موسعة أبرمتها القاهرة ونيقوسيا في شهر أبريل الماضي، شملت تعزيز الروابط بين القوات المسلحة، وتبادل الوفد الأكاديمي العسكري، وإنشاء لجنة مشتركة لمواجهة التحديات الأمنية.
قمة العلمين الثلاثية: رسائل تطمين سياسية
تزامنت هذه التحولات الميدانية مع انعقاد قمة ثلاثية غير رسمية في مدينة العلمين المصرية، جمعت الرئيس القبرصي نيكوس كريستودوليدس، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس.
وأكد القادة خلال القمة أن التقارب المصري التركي لا يمثل خصما من رصيد الشراكة الثلاثية، مجددين دعمهم لقرارات مجلس الأمن بشأن القضية القبرصية وتمسكهم باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في ترسيم الحدود البحرية.
وخلصت “معاريف” إلى أن المشهد الإقليمي يعكس تعقيدا سياسيا لا تهديدا أحادي الجانب؛ فمصر تثبت قدرتها على الحوار الدبلوماسي مع تركيا دون التخلي عن تحالفاتها المترسخة مع أثينا ونيقوسيا، ليشكل ظهور الجنود المصريين في نيقوسيا رسالة عملية على توازن القوى الجديد وحرص القاهرة على حرية الحركة والقرار الاستراتيجي.










