لندن – المنشر_الاخباري
في مشهد يعكس التحولات المتسارعة في خريطة الأمن بالشرق الأوسط، اجتمع كبار القادة العسكريين من الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من الدول العربية في لقاء سري بألمانيا، لمناقشة الحرب مع إيران والتوترات المتصاعدة في المنطقة، في خطوة تكشف عن مساعٍ أمريكية لتعزيز التنسيق الأمني بين أطراف كانت علاقتها العسكرية المباشرة محدودة أو شديدة الحساسية.
وبحسب تقارير إعلامية، شارك في الاجتماع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، وقائد القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» الأدميرال براد كوبر، إلى جانب قادة عسكريين من السعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر والأردن ومصر. وأكدت «سنتكوم» انعقاد اجتماع لقادة عسكريين من ثماني دول في ألمانيا، وقالت إن المشاركين بحثوا «فرص تعزيز التعاون الأمني في الشرق الأوسط».
ويكتسب الاجتماع أهمية خاصة لأنه جمع إسرائيل مع دول عربية، بينها السعودية وقطر، في وقت لا تقيم فيه بعض هذه الدول علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل، بينما تأتي المحادثات على خلفية حرب إقليمية مرتبطة بإيران وتوسع التهديدات في البحر الأحمر والخليج.
إيران في قلب التحرك الأمريكي
تأتي هذه الاتصالات في وقت تواجه فيه دول المنطقة تهديدات متزامنة من إيران والجماعات المسلحة المرتبطة بها، مع تصاعد الهجمات الحوثية ضد السعودية وتوسع المخاطر التي تهدد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن واشنطن تحاول تعزيز شبكة أمنية إقليمية قادرة على تبادل المعلومات والتعامل بصورة أسرع مع الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة والتهديدات البحرية، بدل الاعتماد بصورة كاملة على الاستجابة الأمريكية المنفردة.
وخلال اجتماع ألمانيا، أبلغ قائد «سنتكوم» المشاركين، بحسب التقارير، أن القوات الأمريكية لا تعتزم الانسحاب من المنطقة رغم الهجمات الإيرانية على قواعد أمريكية، كما عرض خططًا لزيادة حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة والتجارة العالمية.
وهذا يعكس أحد المحاور الرئيسية في التحرك الأمريكي: الحفاظ على الوجود العسكري في المنطقة، بالتوازي مع دفع الحلفاء والشركاء الإقليميين إلى تحمل أدوار أكبر في حماية أجوائهم وممراتهم البحرية ومنشآتهم الحيوية.
إسرائيل والخليج.. الأمن يتقدم على السياسة
ورغم استمرار الخلافات السياسية المرتبطة بالصراع الفلسطيني، فإن المخاوف المشتركة بشأن إيران والتهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة تفتح مجالات جديدة للتعاون الأمني بين إسرائيل وبعض الدول العربية.
وكانت اتفاقات أبراهام التي أبرمتها إسرائيل مع الإمارات والبحرين عام 2020 قد شكلت نقطة تحول في هذا المسار، قبل أن تتوسع قنوات التعاون في مجالات التكنولوجيا والأمن والدفاع.
وخلال الحرب الحالية، أفادت تقارير بأن إسرائيل نشرت منظومات «القبة الحديدية» في الإمارات وقدمت معلومات استخباراتية في الوقت الفعلي، ما أظهر إمكانات التعاون في مجال الدفاع الجوي وتبادل المعلومات. وتشير تقارير إلى أن هذه التجربة أصبحت نموذجًا يمكن البناء عليه في ترتيبات أمنية أوسع.
لكن ذلك لا يعني أن دول الخليج اتفقت على تحالف عسكري رسمي مع إسرائيل؛ فطبيعة العلاقات ومستوى التعاون يختلفان من دولة إلى أخرى، كما أن بعض أشكال التنسيق لا تزال غير معلنة رسميًا.
السعودية وإسرائيل.. الحوثيون بوابة جديدة للتنسيق
ويبرز الملف اليمني باعتباره أحد أهم المجالات التي يمكن أن تدفع نحو تعاون أمني غير مباشر بين السعودية وإسرائيل.
فمع تقدم الحوثيين على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر واقترابهم من مناطق استراتيجية بالقرب من باب المندب، تواجه السعودية تحديات أمنية جديدة، بينما ترى واشنطن أن تطوير قدرات المراقبة والاستخبارات والدفاع الجوي قد يكون جزءًا من الاستجابة.
وبحسب مصادر نقلت عنها تقارير إعلامية، تجري السعودية وإسرائيل، بمساعدة «سنتكوم»، مباحثات بشأن سبل تقديم إسرائيل دعمًا استخباراتيًا ومعلومات للمراقبة والاستطلاع لمساعدة الرياض في مواجهة الحوثيين، مع استبعاد مشاركة إسرائيل في عمليات هجومية مباشرة.
ويأتي ذلك في وقت عزز فيه الحوثيون نفوذهم على ساحل البحر الأحمر، الأمر الذي منحهم قدرة أكبر على التأثير في الملاحة الدولية وفي حركة الطاقة، وفق تقارير حديثة.
ماذا تريد واشنطن؟
لا توجد، وفق المعلومات المعلنة، خطة أمريكية واحدة تحمل اسمًا محددًا لإقامة تحالف عسكري إقليمي جديد يضم إسرائيل ودول الخليج. لكن سلسلة التحركات الأمريكية تشير إلى عدد من الأهداف العملية.
أولها تعزيز الدفاع الجوي والصاروخي الإقليمي عبر ربط قدرات دول المنطقة وتبادل التحذيرات والمعلومات بشأن الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وثانيها حماية الممرات البحرية، خصوصًا مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، في ظل تعرض الملاحة لتهديدات متزايدة.
وثالثها تقاسم الأعباء الأمنية، بحيث تلعب دول المنطقة دورًا أكبر في الدفاع عن أراضيها ومصالحها، مع استمرار الوجود العسكري الأمريكي كعامل ردع ودعم.
ورابعها توسيع التعاون الاستخباراتي بين إسرائيل والدول العربية في مواجهة إيران والجماعات المسلحة المتحالفة معها.
وتؤكد تحركات «سنتكوم» خلال الأشهر الأخيرة هذا الاتجاه؛ فقد عقدت القيادة الأمريكية حوارات أمنية إقليمية بمشاركة دول عربية لمناقشة تعزيز التعاون الدفاعي في المنطقة.
هل تتشكل منظومة أمنية جديدة؟
الاجتماع السري في ألمانيا لا يكفي وحده للقول إن تحالفًا إسرائيليًا خليجيًا جديدًا قد تشكل، لكنه يمثل مؤشرًا على تغير طبيعة الاتصالات العسكرية في المنطقة.
فوجود السعودية وقطر إلى جانب إسرائيل في اجتماع عسكري واحد، حتى لو كان في إطار تقوده الولايات المتحدة، يعكس حجم الضغوط التي فرضتها الحرب مع إيران والتصعيد في اليمن والبحر الأحمر على الحسابات الأمنية لدول المنطقة.
وفي الوقت نفسه، تواجه واشنطن اختبارًا معقدًا؛ فهي تريد الحفاظ على دورها كضامن أمني رئيسي في الشرق الأوسط، لكنها تسعى أيضًا إلى بناء ترتيبات تسمح لحلفائها بتحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم.
أما دول الخليج، فتبدو أمام معادلة أكثر تعقيدًا: مواجهة التهديدات الإيرانية والحوثية من جهة، والحفاظ على علاقاتها السياسية مع مختلف أطراف المنطقة من جهة أخرى.
وبينما تدفع المخاطر الأمنية نحو مزيد من التنسيق، تظل القضية الفلسطينية والعلاقات مع إيران والحسابات الداخلية لكل دولة عوامل قد تحد من الوصول إلى تحالف رسمي شامل.
وبذلك، قد يكون ما يجري حاليًا أقرب إلى بناء شبكة أمنية إقليمية تدريجية تحت المظلة الأمريكية، تتقاطع فيها المصالح الإسرائيلية والخليجية في ملفات محددة، بدل إنشاء حلف عسكري موحد بين جميع الأطراف. ويظل اجتماع ألمانيا أحد أبرز المؤشرات على هذا المسار، في وقت تحاول فيه واشنطن إعادة ترتيب أدوار شركائها في الشرق الأوسط وسط تصاعد التهديدات المرتبطة بإيران والحوثيين.










