أنقرة – المنشر_الاخباري
رغم الحملة الأمريكية المتصاعدة لعزل إيران عن النظام المالي الدولي وتشديد العقوبات على الجهات التي تساعدها في الوصول إلى الأموال والأسواق الخارجية، لا تزال طهران قادرة على استخدام قنوات مالية بديلة في المنطقة، وتبرز تركيا باعتبارها إحدى المسارات التي تحظى بأهمية خاصة في حركة الأموال المرتبطة بإيران.
وتأتي هذه التطورات في وقت كثفت فيه واشنطن ضغوطها على الشبكات المالية التي تستخدمها إيران لتجاوز العقوبات، حيث فرضت وزارة الخزانة الأمريكية في الرابع من سبتمبر 2026 عقوبات على بنك Golden Global Yatirim Bankasi التركي وفرعين تابعين له، متهمة المؤسسات الثلاث بتسهيل معاملات مالية غير مشروعة مرتبطة بإيران و«فيلق القدس» التابع للحرس الثوري الإيراني.
وقالت وزارة الخزانة الأمريكية إن البنك التركي ساعد في تسهيل تحويل عائدات نفط إيرانية من الصين إلى تركيا، حيث كان يمكن تحويل الأموال إلى نقد وذهب، كما اتهمته بتقديم خدمات مصرفية لمؤسسات مالية إيرانية مرتبطة بـ«فيلق القدس». ووصفت واشنطن هذه الشبكات بأنها جزء من القنوات التي تستخدمها طهران لتجاوز العقوبات والوصول إلى النظام المالي الدولي.
عشرات الملايين عبر النظام المالي التركي
وبحسب الاتهامات الأمريكية، استخدم «فيلق القدس» خلال الفترة الأخيرة قنوات مالية في تركيا لتحويل عشرات الملايين من الدولارات، في إطار شبكة تهدف إلى الحفاظ على قدرة إيران على نقل الأموال رغم العقوبات المفروضة عليها.
وتكتسب تركيا أهمية خاصة بالنسبة لهذه الشبكات بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها التجارية والمالية مع إيران، فضلًا عن ارتباطها بأسواق دولية ومؤسسات مالية لديها إمكانية الوصول إلى النظام المالي العالمي.
وفي أغسطس الماضي، استهدفت الولايات المتحدة أيضًا شبكة قالت إنها مرتبطة بتمويل حزب الله، واتهمت أفرادًا وشركات باستخدام مسارات مالية عبر إيران وتركيا والإمارات ولبنان لنقل مئات الملايين من الدولارات، في إطار جهود أمريكية أوسع لتعقب شبكات التمويل المرتبطة بالحرس الثوري والجماعات المسلحة المدعومة من طهران.
أموال لإعادة بناء حماس
ولا تقتصر أهمية القنوات التركية، وفق الاتهامات الواردة في التقارير الأمنية الأمريكية والإسرائيلية، على تمويل أنشطة مرتبطة بإيران نفسها، إذ تشير المعلومات إلى استخدامها في نقل أموال إلى شبكات مرتبطة بحركة حماس.
وبحسب الادعاءات الواردة في المعلومات المتداولة، استخدم «فيلق القدس» خلال الأسابيع الأخيرة القنوات المصرفية التركية لتحويل عشرات الملايين من الدولارات إلى حماس في تركيا، في إطار مساعٍ لإعادة بناء قدرات الحركة وشبكاتها المالية بعد الخسائر التي تعرضت لها خلال الحرب.
وتأتي هذه الاتهامات في سياق أوسع، إذ سبق للولايات المتحدة وإسرائيل أن اتهمتا إيران بتقديم دعم مالي وعسكري لحماس على مدى سنوات. كما فرضت واشنطن عقوبات متكررة على شبكات وأفراد قالت إنهم يعملون على تحويل الأموال الإيرانية إلى حماس وجماعات مسلحة أخرى.
لكن طبيعة التحويلات المحددة المشار إليها حاليًا، وحجمها النهائي والجهات التي تلقتها، تبقى من المعلومات التي تحتاج إلى تأكيد مستقل، ولا سيما في ظل اعتماد جزء كبير من هذه التفاصيل على مصادر أمنية وحكومية.
واشنطن توسع حملة «العزل المالي»
وتأتي الإجراءات الأمريكية ضد المؤسسات التركية ضمن حملة أوسع أطلقتها إدارة الرئيس دونالد ترمب لتجفيف مصادر التمويل الإيرانية.
وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في أغسطس ما أسمته «عملية المنبوذ الاقتصادي» (Operation Economic Outcast)، بهدف استهداف شبكات تهريب النفط والجهات التي تساعد إيران على تجاوز العقوبات وتمويل أنشطتها. وقالت الوزارة إنها عملت على تحديد شبكات ووسطاء وقنوات مالية تستخدمها طهران لتهريب النفط والالتفاف على العقوبات وتمويل أنشطة تعتبرها واشنطن إرهابية.
وفي الرابع عشر من سبتمبر، وسعت واشنطن الحملة لتشمل بنك «VTB» الروسي، متهمة إياه بمساعدة إيران على إنشاء قنوات مالية والتعامل مع بنوك إيرانية خاضعة للعقوبات. وأكدت وزارة الخزانة أن استهداف المؤسسات الأجنبية التي تساعد طهران سيستمر.
كما حذرت واشنطن المؤسسات المالية في دول أخرى من مخاطر العقوبات الثانوية إذا واصلت التعامل مع كيانات إيرانية خاضعة للعقوبات. وتشير هذه الإجراءات إلى أن السياسة الأمريكية لم تعد تركز فقط على البنوك الإيرانية، بل توسعت لتشمل الوسطاء والبنوك الأجنبية التي يُعتقد أنها تساعد طهران على الوصول إلى الأموال والأسواق الدولية.
تركيا بين التحالف مع واشنطن والعلاقات مع إيران
وتضع هذه التطورات تركيا في موقف حساس؛ فهي عضو في حلف شمال الأطلسي «الناتو» وحليف للولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ بعلاقات اقتصادية وسياسية واسعة مع إيران.
وكان وزير المالية التركي محمد شيمشك قد قال في التاسع من سبتمبر إن أنقرة أخذت علماً بإعلانات وزارة الخزانة الأمريكية المتعلقة بالعقوبات والتعاملات المرتبطة بإيران، من دون الإعلان عن تغيير واسع في السياسة التركية تجاه طهران.
وتحاول تركيا تاريخيًا تحقيق توازن بين علاقاتها مع واشنطن وشركائها الغربيين من جهة، ومصالحها الاقتصادية والجغرافية مع إيران وروسيا ودول المنطقة من جهة أخرى.
لكن العقوبات الأمريكية الأخيرة على بنك تركي تمثل إشارة إلى أن هامش المناورة أمام المؤسسات المالية التركية قد يضيق، خصوصًا مع تشديد واشنطن الرقابة على حركة الأموال الإيرانية.
معركة على القنوات المالية
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الصراع بين واشنطن وطهران لم يعد يقتصر على العقوبات المباشرة أو الضغوط على صادرات النفط، بل انتقل بصورة أكبر إلى السيطرة على طرق تحويل الأموال نفسها.
فكلما شددت الولايات المتحدة الخناق على البنوك الإيرانية، تبحث طهران عن مسارات بديلة عبر دول ومؤسسات مالية وشركات وسيطة. وفي المقابل، تحاول واشنطن ملاحقة هذه الشبكات واحدة تلو الأخرى وفرض عقوبات على الجهات التي تعتبرها جزءًا من منظومة الالتفاف على العقوبات.
وتعد تركيا إحدى النقاط المهمة في هذه المعادلة بسبب موقعها بين إيران وأوروبا، وحجم اقتصادها واتصال نظامها المصرفي بالأسواق العالمية.
وبينما تؤكد واشنطن أن هذه الإجراءات تستهدف قطع مصادر تمويل إيران والجماعات المسلحة المرتبطة بها، تواجه السياسة الأمريكية تحديًا يتمثل في قدرة الشبكات المالية غير الرسمية والشركات الوسيطة على تغيير مساراتها بسرعة.
وفي ظل استمرار الضغوط الاقتصادية والعقوبات، ستبقى القنوات المالية العابرة للحدود أحد أهم ميادين المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، فيما تبدو تركيا أمام اختبار متزايد للحفاظ على علاقاتها مع واشنطن دون التخلي عن روابطها الاقتصادية والسياسية مع طهران.










