واشنطن – المنشر_الاخباري
في مفارقة دبلوماسية لافتة، وافقت الولايات المتحدة على منح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي وأعضاء الوفد الإيراني الأساسي تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، رغم استمرار الحرب بين واشنطن وطهران، بينما رفضت في اليوم السابق منح الرئيس الفلسطيني محمود عباس وأعضاء من الوفد الفلسطيني تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة للمشاركة في الاجتماعات نفسها.
وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن السماح للوفد الإيراني بالدخول يأتي في إطار التزامات واشنطن بصفتها الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة، مؤكدة أن الوفد الإيراني الأساسي سيتمكن من المشاركة في أسبوع الاجتماعات رفيعة المستوى للجمعية العامة، لكن مع فرض قيود مشددة على تحركات أعضائه داخل نيويورك، إلى جانب قيود على شراء السلع الفاخرة وغيرها من المنتجات.
لماذا سمحت واشنطن بدخول الوفد الإيراني؟
يرتبط القرار الأمريكي بصورة أساسية بالوضع القانوني للولايات المتحدة باعتبارها الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة في نيويورك. وينص اتفاق مقر الأمم المتحدة المبرم عام 1947 على تسهيل وصول ممثلي الدول إلى مقر المنظمة الدولية للمشاركة في أعمالها، وهو ما تستند إليه واشنطن في السماح للوفد الإيراني بالحضور رغم الحرب المستمرة بين البلدين.
وبحسب رويترز، قالت وزارة الخارجية الأمريكية إن القرار يتوافق مع التزامات الولايات المتحدة تجاه الأمم المتحدة، فيما أوضحت أن الوفد الإيراني سيكون أصغر من العام الماضي، وسيخضع لقيود على الحركة وعمليات شراء بعض السلع.
وتفرض واشنطن بالفعل قيودًا على تحركات الدبلوماسيين الإيرانيين داخل نيويورك، إذ اقتصرت تحركاتهم في فترات سابقة على مناطق محددة مرتبطة بمقر الأمم المتحدة والبعثة الإيرانية ومقر إقامة السفير الإيراني، إلى جانب مطار جون إف كينيدي.
لكن لماذا مُنع محمود عباس؟
في المقابل، أعلنت واشنطن رفضها منح الرئيس الفلسطيني محمود عباس وأعضاء من الوفد الفلسطيني تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة، في قرار هو الثاني من نوعه خلال عامين.
وبررت وزارة الخارجية الأمريكية القرار باتهام السلطة الفلسطينية بعدم الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بإحراز تقدم نحو السلام مع إسرائيل، مشيرة تحديدًا إلى استمرار تحرك الفلسطينيين أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية في قضايا تتعلق بإسرائيل، إضافة إلى استمرار ما تصفه واشنطن بدفع مخصصات لعائلات فلسطينيين مدانين في هجمات ضد إسرائيليين.
وقالت الخارجية الأمريكية إن هذه الإجراءات، من وجهة نظرها، تساهم في “تدويل” الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بدلًا من العمل على تسوية سياسية، ولذلك قررت تمديد العقوبات المتعلقة بالتأشيرات المفروضة على مسؤولين في منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية.
مفارقة تثير التساؤلات
قرار السماح للوفد الإيراني بالدخول في الوقت الذي يُمنع فيه عباس من السفر إلى نيويورك يضع واشنطن أمام مفارقة سياسية واضحة، خصوصًا أن إيران والولايات المتحدة تخوضان مواجهة عسكرية مستمرة منذ أكثر من ستة أشهر، بينما تحاول واشنطن في الوقت نفسه تطبيق التزاماتها تجاه الأمم المتحدة.
وتؤكد المصادر الأمريكية أن منح التأشيرات للإيرانيين لا يعني تخفيف القيود السياسية أو الأمنية المفروضة على طهران. فالوفد سيواجه قيودًا على الحركة وحظرًا على شراء بعض السلع، كما أن حجمه سيكون أصغر من الوفد الذي شارك في اجتماعات العام الماضي.
وفي المقابل، فإن رفض تأشيرة عباس لا يمنع الفلسطينيين من المشاركة في أعمال الأمم المتحدة بصورة كاملة، إذ توجد بعثة فلسطينية معتمدة لدى المنظمة الدولية يمكنها المشاركة في الاجتماعات.
الأمم المتحدة تتدخل
وبعد رفض واشنطن منح عباس تأشيرة، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح السماح للرئيس الفلسطيني بإلقاء كلمته عبر تقنية الفيديو، وهو الإجراء الذي اتُّخذ أيضًا العام الماضي بعد رفض دخوله إلى الولايات المتحدة.
وحصل القرار على تأييد واسع، إذ صوتت 152 دولة لصالحه مقابل ثلاث دول ضده، مع امتناع أربع دول عن التصويت. وبذلك سيكون بإمكان عباس مخاطبة الجمعية العامة عن بُعد رغم عدم تمكنه من السفر إلى نيويورك.
وأثار القرار الأمريكي انتقادات فلسطينية، حيث قالت السلطة الفلسطينية إن الإجراءات الأمريكية ضد مسؤوليها لا تساعد على دفع عملية السلام، وإنها تضعف الطرف الفلسطيني الذي تقول إنه ملتزم بالحل السياسي.
في المقابل، دافعت واشنطن عن قرارها، مؤكدة أن القيود مرتبطة بمواقف وإجراءات محددة من جانب السلطة الفلسطينية، وليس بمجرد مشاركتها في الأمم المتحدة.
ماذا تعني الخطوة الأمريكية؟
وتكشف قرارات التأشيرات عن اختلاف واضح في تعامل واشنطن مع الوفدين الإيراني والفلسطيني في اجتماعات الجمعية العامة المقبلة. فبالنسبة إلى إيران، اختارت الولايات المتحدة السماح بحضور القيادة السياسية والدبلوماسية مع فرض قيود على الحركة والإنفاق، مستندة إلى التزاماتها كدولة مضيفة للأمم المتحدة.
أما بالنسبة إلى الوفد الفلسطيني، فقد أبقت واشنطن على القيود المفروضة على مسؤولين في السلطة ومنظمة التحرير، وربطت قرارها بما تعتبره إخفاقًا في تنفيذ التزامات سابقة وبإجراءات فلسطينية أمام المحاكم الدولية.
وفي ظل استمرار الحرب الأمريكية الإيرانية، والتوترات في الشرق الأوسط، والجدل الدولي حول الحرب في غزة، ستمنح مشاركة بزشكيان وعراقجي في نيويورك أهمية إضافية لاجتماعات الجمعية العامة، خصوصًا أن وجود الوفد الإيراني في مقر الأمم المتحدة سيوفر لطهران منصة مباشرة لعرض موقفها أمام المجتمع الدولي.
وبذلك، لا تبدو مسألة التأشيرات مجرد إجراء إداري، بل تأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تسمح واشنطن لقيادة إيران بدخول نيويورك للمشاركة في أكبر تجمع دبلوماسي سنوي في العالم، بينما تمنع الرئيس الفلسطيني من الحضور شخصيًا، مع السماح له بالمشاركة عبر الفيديو.










