واشنطن- المنشر_الاخباري
تستعد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاتخاذ خطوة جديدة ضد المحكمة الجنائية الدولية، من خلال فرض عقوبات واسعة يمكن أن تستهدف تعاملاتها المالية وتحد من قدرتها على الوصول إلى أجزاء كبيرة من النظام المالي العالمي، في تصعيد جديد للخلاف بين واشنطن والمحكمة، بحسب تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال.
وذكرت الصحيفة، نقلا عن مسؤولين ووثائق اطلعت عليها، أن الإجراءات الأمريكية المرتقبة قد تحظر معظم المعاملات مع المحكمة الجنائية الدولية بعد انتهاء فترة سماح تمتد بين ستة وسبعة أشهر. وقد تؤدي هذه القيود، في حال تطبيقها، إلى صعوبة إجراء المحكمة معاملات بالدولار الأمريكي، بما قد يؤثر على قدرتها على التعامل مع المؤسسات المالية الدولية.
وتأتي هذه الخطوة في سياق حملة أوسع تشنها إدارة ترامب ضد المحكمة، بعدما أصدرت الأخيرة مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بالحرب في قطاع غزة، وهي اتهامات ترفضها إسرائيل.
عقوبات تتجاوز استهداف المسؤولين
وتمثل الإجراءات التي تحدثت عنها وول ستريت جورنال توسعا في نطاق العقوبات الأمريكية المفروضة على المحكمة، إذ سبق لواشنطن أن استهدفت مسؤولين وقضاة ومدعين مرتبطين بالمحكمة، بينما تستهدف الإجراءات الجديدة، بحسب التقرير، المعاملات مع المحكمة نفسها.
ويعني ذلك أن نطاق القيود المحتملة قد يتجاوز تجميد أصول أفراد بعينهم أو منعهم من التعامل مع المؤسسات المالية الأمريكية، ليصل إلى المؤسسات والشركات والأطراف التي تتعامل مع المحكمة، وفقا لطبيعة العقوبات التي ستعتمدها الإدارة الأمريكية في صورتها النهائية.
وتشير وزارة الخزانة الأمريكية بالفعل إلى وجود برنامج للعقوبات المتعلقة بالمحكمة الجنائية الدولية، مع إمكانية إصدار تراخيص تسمح ببعض الأنشطة أو المعاملات التي قد تكون محظورة بموجب العقوبات. كما سجل البرنامج إجراءات جديدة خلال عام 2026، بينها إدراج مسؤولين مرتبطين بالمحكمة.
وفي أغسطس الماضي، أعلنت إدارة ترامب فرض عقوبات على رئيسة المحكمة الجنائية الدولية توموكو أكاني والمدعي البارز في المحكمة عبد الله سيي، في أحدث خطوات الضغط الأمريكي على المؤسسة. وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو آنذاك إن واشنطن تستهدف مسؤولين ترى أنهم شاركوا في جهود المحكمة للتحقيق مع مسؤولين من دول لم توافق حكوماتها على اختصاص المحكمة.
مذكرات توقيف نتنياهو وغالانت في قلب الخلاف
ويعود جانب أساسي من التصعيد الأمريكي إلى قرار المحكمة الجنائية الدولية إصدار مذكرات توقيف بحق بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت في نوفمبر 2024، على خلفية اتهامات مرتبطة بالحرب في غزة.
وترفض إسرائيل هذه الاتهامات واختصاص المحكمة في القضية، بينما تؤكد المحكمة أن لديها أساسا قانونيا لممارسة اختصاصها في ظروف محددة، بما في ذلك الجرائم التي تقع على أراضي دولة طرف في نظام روما الأساسي.
ولم تنضم الولايات المتحدة أو إسرائيل إلى نظام روما الأساسي، إلا أن المحكمة تؤكد أن عدم عضوية الدولة التي يحمل المتهم جنسيتها لا يمنع بالضرورة المحكمة من ممارسة اختصاصها عندما تتوافر الشروط المنصوص عليها في النظام الأساسي.
وأصبحت مذكرات التوقيف بحق نتنياهو وغالانت أحد أبرز أسباب المواجهة بين واشنطن والمحكمة، إذ اعتبرت إدارة ترامب أن المحكمة تجاوزت حدود اختصاصها واستهدفت مسؤولين من دول غير أعضاء فيها.
روبيو يتوعد بمواصلة الضغط
ويأتي التحرك الجديد بعد سلسلة من التصريحات والإجراءات الأمريكية التي تعكس رغبة إدارة ترامب في زيادة الضغط على المحكمة.
وكان روبيو قد انتقد المحكمة بشدة، وقال إن واشنطن ستواصل العمل ضد ما تعتبره تجاوزا لصلاحياتها وتهديدا لسيادة الدول. وفي أغسطس، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية توسيع حملة واشنطن الدبلوماسية ضد المحكمة بالتزامن مع فرض عقوبات جديدة على مسؤولين فيها.
وقالت الإدارة الأمريكية إن المحكمة تمثل، من وجهة نظرها، تهديدا للسيادة الأمريكية، خصوصا في ظل إمكانية ملاحقتها مسؤولين من دول ليست أعضاء فيها.
في المقابل، دافعت المحكمة عن استقلالها واختصاصها القضائي، فيما انتقدت جهات أوروبية الإجراءات الأمريكية، معتبرة أن المؤسسات القضائية الدولية يجب أن تكون قادرة على أداء مهامها دون ضغوط سياسية.
ماذا يعني استهداف التعاملات بالدولار؟
وتكمن أهمية الإجراءات التي أوردتها وول ستريت جورنال في احتمال استهداف المعاملات المالية للمحكمة بصورة مباشرة.
وبحسب التقرير، فإن منع معظم المعاملات مع المحكمة بعد انتهاء فترة السماح قد يجعل الوصول إلى النظام المالي الأمريكي أكثر صعوبة، كما يمكن أن يؤثر على قدرة المحكمة على إجراء معاملات بالدولار.
ويُستخدم الدولار على نطاق واسع في المعاملات المالية الدولية، ما يعني أن القيود الأمريكية قد تكون لها تداعيات تتجاوز المؤسسات الموجودة داخل الولايات المتحدة، إذا شملت جهات مالية أو شركات دولية تخشى التعرض للعقوبات الأمريكية نتيجة تعاملها مع المحكمة.
لكن حجم التأثير الفعلي سيعتمد على الصيغة النهائية لأي قرار أمريكي، وعلى الاستثناءات والتراخيص التي يمكن أن تصدرها وزارة الخزانة الأمريكية.
قرار مرتقب بالتزامن مع اجتماعات الأمم المتحدة
وبحسب وول ستريت جورنال، يمكن أن يصدر القرار الأمريكي بشأن العقوبات الجديدة خلال هذا الأسبوع، بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
وتأتي هذه التطورات في وقت يجتمع فيه قادة ومسؤولو دول العالم في نيويورك، بينما تواصل إدارة ترامب انتقاد عدد من المؤسسات الدولية وتعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالمنظمات متعددة الأطراف.
ولم تؤكد الإدارة الأمريكية حتى الآن جميع تفاصيل الإجراءات التي أوردتها وول ستريت جورنال، فيما قالت رويترز إنها لم تتمكن بشكل مستقل من التحقق من التقرير وقت نشره.
وفي حال إقرار العقوبات بالشكل الذي ورد في التقرير، فإنها ستشكل مرحلة جديدة في المواجهة بين واشنطن والمحكمة الجنائية الدولية، بعدما انتقلت الإجراءات الأمريكية من استهداف مسؤولين محددين إلى احتمال فرض قيود واسعة على تعاملات المحكمة نفسها.
وتأسست المحكمة الجنائية الدولية عام 2002 للنظر في جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، فيما لا تعد الولايات المتحدة عضوا فيها. ويستمر الخلاف بين واشنطن والمحكمة حول نطاق اختصاصها وحدود قدرتها على ملاحقة مسؤولين من دول غير أعضاء.










