صنعاء – المنشر_الاخباري
دخلت الأزمة اليمنية مرحلة جديدة مع تصاعد تحركات جماعة الحوثيين على الساحل الغربي واقترابها من مضيق باب المندب، بالتزامن مع طلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقديم الدعم لحكومته في مواجهة الجماعة. غير أن الاتصال الذي جمع الرجلين لم ينتهِ، وفق مصادر نقلت عنها وكالة رويترز، بتعهد أمريكي مباشر بتقديم مساعدة عسكرية.
ويطرح التطور سؤالاً رئيسياً حول موقف واشنطن: هل يمكن أن يدفع التوسع الحوثي قرب أحد أهم الممرات البحرية في العالم الإدارة الأمريكية إلى تغيير حساباتها والتدخل عسكرياً، أم ستواصل سياسة الضغط والاتصالات غير المباشرة؟
العليمي يطلب دعماً من ترامب
أجرى ترامب اتصالاً هاتفياً مع العليمي الأحد، ناقشا خلاله التطورات الأخيرة في اليمن والتقدم الذي أحرزه الحوثيون بالقرب من باب المندب. ووفق أربعة مصادر مطلعة تحدثت إلى رويترز، طلب العليمي دعماً أمريكياً لحكومته المدعومة من السعودية في مواجهة الحوثيين.
لكن مصدرين، أحدهما يمني والآخر غربي، قالا إن ترامب لم يقدم خلال المكالمة تعهداً مباشراً بتوفير دعم عسكري أمريكي. كما لم يصدر البيت الأبيض، بحسب رويترز، تعليقاً فورياً مفصلاً حول مضمون الاتصال.
ويأتي الطلب اليمني في وقت تواجه فيه القوات الحكومية وحلفاؤها ضغوطاً ميدانية متزايدة نتيجة التقدم الحوثي على الساحل الغربي.
توسع حوثي نحو باب المندب
حقق الحوثيون خلال سبتمبر/أيلول تقدماً سريعاً في مناطق استراتيجية على الساحل الغربي لليمن، وسيطروا على مواقع ومدن ساحلية، بينها المخا، كما تقدموا باتجاه مناطق قريبة من مضيق باب المندب.
ويكتسب هذا التقدم أهمية خاصة لأن باب المندب يمثل نقطة اختناق بحرية تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وبالتالي فإن أي اضطراب واسع في حركة الملاحة عبره يمكن أن يؤثر في طرق التجارة الدولية.
وأفادت تقارير بأن الحوثيين تمكنوا كذلك من الوصول إلى جزيرة بريم، المعروفة باسم ميون، الواقعة داخل المضيق، ما زاد المخاوف بشأن طبيعة النفوذ الذي يمكن أن تفرضه الجماعة على المنطقة البحرية المحيطة بالممر الاستراتيجي.
واشنطن تدرس خياراتها
التطورات الأخيرة لا تعني أن الولايات المتحدة اتخذت قراراً بالتدخل العسكري المباشر.
فبحسب تقارير أمريكية، ناقش ترامب خلال الأيام الماضية إمكانية تنفيذ ضربات ضد الحوثيين، كما أعدت القيادة المركزية الأمريكية خيارات عسكرية محتملة، لكن الرئيس الأمريكي قرر في النهاية التريث وعدم تنفيذ الضربات في ذلك الوقت.
وكانت السعودية قد طلبت بدورها من واشنطن اتخاذ إجراءات عسكرية ضد الحوثيين، بعد توسع الجماعة على الساحل الغربي وتصاعد الهجمات باتجاه الأراضي السعودية. وتشير تقارير إلى أن ترامب رفض في وقت سابق طلباً سعودياً بالتدخل المباشر، قبل أن تعود الإدارة إلى بحث الخيارات العسكرية مع استمرار التقدم الحوثي.
وهذا التسلسل يعكس تردداً أمريكياً بشأن فتح جبهة عسكرية جديدة في اليمن، خصوصاً في ظل الملفات العسكرية الأخرى التي تتعامل معها إدارة ترامب في المنطقة.
لماذا تتجنب واشنطن التدخل المباشر؟
أحد العوامل الرئيسية في الحسابات الأمريكية هو أمن الملاحة الدولية. فقد عبّرت واشنطن عن قلقها من أن يؤدي التوسع الحوثي إلى تهديد حرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
لكن الإدارة الأمريكية تحاول، وفق تقارير متعددة، التفريق بين تهديد الملاحة الدولية وبين الحرب السعودية ـ الحوثية. وتقول مصادر أمريكية إن واشنطن تلقت تطمينات من الحوثيين بشأن عدم استهداف السفن الأمريكية، بينما أفاد مسؤول حوثي بأن الجماعة لا تستهدف السفن الأمريكية أو التابعة لدول أخرى في المضيق، مع استثناء السفن المرتبطة بالسعودية بحسب روايته.
كما أفادت تقارير بأن مسؤولين أمريكيين أجروا اتصالات مع الحوثيين عبر قنوات دبلوماسية في سلطنة عُمان، في محاولة للحفاظ على عدم استهداف حركة الملاحة الدولية وتجنب توسع المواجهة.
باب المندب بين الحرب اليمنية وأمن التجارة العالمية
المخاوف لا تتعلق باليمن وحده. فمضيق باب المندب يعد أحد الممرات البحرية الرئيسية بين آسيا وأوروبا، وأي تهديد مستمر لحركة السفن عبر البحر الأحمر قد يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها.
ومن شأن تحويل السفن إلى طرق أطول حول أفريقيا أن يزيد زمن الرحلات وتكاليف الوقود والتأمين، كما يمكن أن يضيف ضغوطاً إلى سلاسل الإمداد العالمية.
ولهذا فإن وصول القتال إلى المناطق المحيطة بالمضيق يضع واشنطن أمام معادلة دقيقة: حماية حرية الملاحة من جهة، وتجنب الانجرار إلى حرب مباشرة مع الحوثيين من جهة أخرى.
السعودية تضغط وواشنطن تتحفظ
التصعيد لا يحدث بمعزل عن السعودية، التي تدعم الحكومة اليمنية وتواجه في الوقت نفسه هجمات حوثية.
وقالت تقارير إن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ضغط على ترامب من أجل تنفيذ ضربات ضد الحوثيين، لكن الإدارة الأمريكية لم توافق فوراً على الطلب. وفي المقابل، واصلت القوات السعودية والقوات اليمنية المتحالفة معها الاستعداد لمواجهة التقدم الحوثي على الأرض.
وفي أحدث تطور، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن الولايات المتحدة ستلتزم بتعهداتها الدفاعية تجاه السعودية، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن واشنطن تعمل على معرفة ما إذا كان بالإمكان حل الأزمة دون تدخل عسكري أمريكي مباشر.
ما الذي قد يغير الحسابات الأمريكية؟
يبقى العامل الأكثر حساسية هو الملاحة في باب المندب. فإذا اتسع نطاق العمليات الحوثية ليشمل سفناً دولية أو أدى إلى تعطيل فعلي لحركة التجارة، فقد يتغير مستوى الضغط على الإدارة الأمريكية.
أما استمرار الحوثيين في استهداف أهداف مرتبطة بالسعودية مع تجنب السفن الأمريكية والدولية، فيمنح واشنطن مساحة أكبر لمواصلة الاتصالات والضغوط بدلاً من الانتقال إلى عمل عسكري مباشر، وفق التقارير الحالية.
وفي الوقت الراهن، تشير المعطيات المتاحة إلى أن طلب العليمي لم يتحول إلى التزام عسكري أمريكي، وأن ترامب ما زال يوازن بين حماية المصالح البحرية الأمريكية والعلاقات الدفاعية مع السعودية وبين مخاطر الدخول في مواجهة مباشرة مع الحوثيين.
ومع استمرار تقدم الجماعة نحو المناطق المحيطة بباب المندب، تبقى التطورات الميدانية عاملاً رئيسياً في تحديد ما إذا كانت واشنطن ستكتفي بالدعم السياسي والدبلوماسي، أم ستنتقل في مرحلة لاحقة إلى إجراءات عسكرية أكثر مباشرة.











